عيد الاتحاد يقترب، هو لم يبتعد حتى يقترب، لم يقترب حتى يبتعد، ما سبق ليس تناقضاً وليس لعبة لغوية، إنما هو حال اليوم، وحال الوطن، وحال الحدث المفصلي. عيد الاتحاد لا يرتبط بزمن، وبذلك لا يكون له ماضٍ، ولا حاضر، ولا مستقبل، هو كل تلك الأزمنة في واحد، فحين يدور الحديث عن الماضي يحضر الحاضر، وحين يدور الحديث عن الحاضر يحضر المستقبل، وحين يدور الحديث عن المستقبل يحضر ما بعد المستقبل، كأنه يشبه الحداثة، وما بعد الحداثة، وما بعد بعد الحداثة.
حين يكون عيد الاتحاد مناسبة مستدامة، يصبح الانشغال بالإنجاز وما بعد الإنجاز، وبالبناء وما بعد البناء، وبالنفط وما بعد النفط، الاستدامة هي التجدّد والابتكار والتوالد والولادة والتحديث والحداثة والتجديد والتخليق والإبداع، هو كل جديد وموجود ومستجد، وما يمكن أن يُبنى على كل فعل واسمه.
هنالك فرق كبير بين من ينظر أمامه، ومن يتأمل المدى، ومن ينظر في نفسه، البحث في الكائن والمكوّن لا يشبه البحث في المكنون، هو استنباط ما في النفس والانشغال بالخلود، وهو المستقبل المستدام. قد تكون العبارة جديدة إلا أنها الحقيقة، المستقبل يتجّدد كلما تم الانتهاء من الإنجاز، فالمُنجز ماضٍ، والفكرة هي الحاضرة في اللحظة والمدى المتّسع كاتساع الأرض والسماء.
في عيد الاتحاد، نعلم أن دولة الإمارات العربية المتحدة، القيادة والحكومة والشعب، كانت منشغلة بالفكرة، والفكرة لها آفاق لا تُحدّ، وحين انطلقت فكرة الاتحاد، انطلقت معها أفكار كثيرة، فالاتحاد في عام 1971 غيره في عام 2026، وفكرة الاتحاد آنذاك ليست هي ذاتها اليوم، وليست هي في كل عام، على مدى خمسة وخمسين عاماً، أي في المنطق الفكري التأملي والحقيقي، لدينا خمس وخمسون فكرة للاتحاد، كل واحدة تختلف عن الأخرى، ولولا هذا الاختلاف في الرؤيا والرؤية لما استمر الاتحاد، أو لما وصل إلى حيث هو الآن، أي من عصر بتكنولوجيا بسيطة جداً إلى عصر الذكاء الاصطناعي، من حامل لدرجة الدكتوراه إلى الآلاف من حملة الدكتوراه، والأطباء، والمهندسين، والأدباء، والمدرّسين، والفنانين، وإن تحدثنا بمنطق الذكورة إلا أن المرأة موجودة على نفس المستوى والقياس في الإنجاز، هي موجودة في الزمن، والفكرة، والتغيير، والابتكار، والمسؤولية.
كل شيء تطوّر ولم يتغيّر، كل المفردات تطوّرت نحو أبعاد أخرى، العزيمة والإرادة والتصميم والتأكيد والإصرار، ليست مفردات متشابهة، كل واحدة تحمل معنى مختلفاً، يزداد تألقاً مع الحفر في المعنى والدلالة والإيحاء. إن استخدام أكثر من وصف للشيء لا يعني أننا نتحدث عن الشيء ذاته، قد يكون هو نفسه شكلاً، لكنه مختلف في الجوهر والمعنى، وهكذا كانت مفردة الاتحاد، تطوّرت كما تتطور اللوحة التشكيلية التي تحاول أن تحاكي الطبيعة، حتى تفوّقت على آلة التصوير، وتطوّرت الفكرة كما تتطوّر القصيدة، من العمودي إلى المنثور، أو العكس، ففي كل الأحوال يجري البحث عن الشعرية، وفي الاتحاد كان يجري البحث عن جواهر المعنى، وابتكار لغة جديد للحكم والقوانين، وتقديم الخدمة، والعلاقات العامة، بل هناك لغة جديدة للمواطنة.
إن اللغة التي كانت تدور بين الوطن والمواطن ليست هي ذاتها قبل خمسة وخمسين عاماً، لقد توسّعت وكثرت اشتقاقاتها، وزادت معانيها وأفكارها، بل إن نغمة الحديث باتت مختلفة. والقسَم الذي كان يقسمه الجندي فور انخراطه في الخدمة قد يحمل المفردات والمصطلحات ذاتها، لكنه، وبكل تأكيد، لا يحمل المعاني ذاتها، أصبحت مفعمة بالتحديات الكبرى، والمزيد من الذكاء والصمود، حتى قضية الدفاع عن الوطن تكتسب دلالات أكثر في هذا العصر المجبول بالتحديات والتهديدات، وبالتالي، هناك عزيمة جديدة، وإصرار جديد، وبالتالي هنالك فكر جديد.
لقد طوّرت القيادة استراتيجياتها السياسية وأفكارها الدبلوماسية وعلاقاتها الدولية، ومقارباتها القانونية، وإطلالاتها الإعلامية، وهذا ينقسم إلى قسمين، الأول لمواجهة التحديات الجديدة والتعامل مع السيناريوهات الكثيرة، والقسم الثاني لترسيخ الخبرة، والحكمة المستقاة من الخبرة، فاقتربت أكثر من الناس وحياتهم، وتطلعاتهم، وأهدافهم، وطموحاتهم، وحاجياتهم، اقتربت حتى اندمجت بهم، وهو سرّ من أسرار القوة الناعمة، سر الحكم الرشيد، سر بث الطمأنينة بين الناس، مواطنين ووافدين.
لقد طوّرت القيادة من مفهومها لغير المواطن، واشتغلت على العلاقة بين الحكومة والمقيمين، حتى باتوا يشعرون بانتمائهم الحقيقي لدولة الإمارات العربية المتحدة، وولائهم لقيمها، ومنظومتها الأخلاقية. وهذا إنجاز يتم من خلال المحبة، وترسيخ، الأخوّة، وزرع الطمأنينة في نفوس الآخرين. وقد نجحت القيادة في ذلك، ومعها الإنسان المواطن الغيور على وطنه وإنجازاته.
لنستمر في هذه الروح الخلاقة، التي تنظر إلى عيد الاتحاد اليوم كفكرة خلاقة متجدّدة مستدامة، فلا تحتفل به كفكرة قديمة، وإنما كفكرة تحمل رؤية جديدة، تكون جديرة بالإنجاز العمراني والبشري، ولا تنظر إليه بنفس العين السابقة، وإنما بعين تحمل المستقبل في رؤياها ورؤيتها. فالإمارات اليوم تعيش في المستقبل وفق فسلفة الزمن، وفلسفة الإنسان المتحكّم في الزمن.
وبذلك، عيد الاتحاد لا يقترب، إنما نحن من يقترب منه، فاتحين قلوباً غير القلوب التي كانت قبل خمسة وخمسين عاماً.
