اختار معهد الشارقة للتراث عنوان «حكايات الأصدقاء» لملتقى الشارقة الدولي للراوي في دورته السادسة والعشرين، وإذا كانت الآداب والفنون في الشرق والغرب هي جوهر الصداقة الإنسانية التي تنشأ عادة بين الشعوب، فإن ملحمة «الكاليفالا» والتي نقلها إلى العربية أوّل مرة الشاعر والروائي اللبناني سحبان أحمد مروّة في العام ١٩٩١، هي العمل الأدبي الشعري الذي عرفنا من خلاله فنلندا، بلداً صديقاً، وشعباً صديقاً أيضاً له تراثه الحكائي الخاصّ به، والذي يشكل هويته المجتمعية والثقافية.
الكاليفالا (وتعني: أرض كاليفالا، أي فنلندا) حاضرة بوصفها تراثاً أدبياً إنسانياً في ملتقى الشارقة الدولي للراوي، وهي في الأصل مادة حكائية شفوية إلّا أن طبيباً وعالماً لغوياً هو إلياس لورنت (١٨٠٢-١٨٨٤)، قام بجمع هذه الملحمة الشفوية وجعل منها تدويناً أسطورياً أصبح في ما بعد روح وضمير الهوية الوطنية الفنلندية وذلك في العام ١٨٣٥، لتتحوّل الكاليفالا من فولكلور شفوي إلى نصّ مكتوب يقع في صميم الذاكرة الفنلندية تماماً مثل الذاكرة اليونانية التي قامت على ملحمتي الإلياذة، والأوديسة.
نقلت الكاليفالا إلى لغات العالم الحيّة، وها هي اليوم تعود إلى ذاكرتنا العربية استناداً إلى القيمة النبيلة (الصداقة) والتي يُعمّق معناها الإنساني الكوني ملتقى الشارقة الدولي للراوي بوصف الكاليفالا حكاية شعبية إنسانية وإن جاءت في قالب شعري، مثلما أن الإلياذة حكاية، وكل النصوص العظمى ذات الطابع الأسطوري هي في الواقع شكل من أشكال الحكي الذي ينفي غربة الإنسان، ويجعله صديقاً لأخيه الآخر على أرض واحدة هي أرض البشر.
هنا، هذا المقطع من الكاليفالا يبيّن روحها الشعرية الإنسانية، وكم أن الشعر في حدّ ذاته هو: صداقة.
تقول الكاليفالا: (يا رب، ابعث من المشرق سحابة، وسحاباً من الشمال الغربي، وابعث من المغرب غيمة، وامطر الماء، يا خالق يا قادراً على الكل، اشفِ بالليل، وامنح العافية في النهار، كي لا يبقى مرض واحد في العالم).
يجمع ملتقى الشارقة الدولي للراوي مئة من المتخصصين في التراث والحكاية والرواية من ٣٠ دولة حول العالم، ويفتح الأفق الثقافي والمعرفي والحواري بين النخب المشاركة في الملتقى، ويتيح لنا الإصغاء إلى صوت ثقافات الشعوب من خلال الحكايات، وبالطبع، ستبدو هذه الحكايات صداقات متبادلة بين حضارات جهات العالم الأربع بلا حدود، وبلا فوارق عرقية أو إثنية أو نرجسية حيث (الآخر) ليس جحيماً أو ندّاً أو عدوّاً.. بل هو: صديق.
