في وقت تبحث فيه بريطانيا عن حلول لتخفيف أزمة السكن، تتجه الحكومة إلى فتح الباب أمام المجالس المحلية للتدخل بصورة أسرع في المنازل التي تظل خالية لفترات طويلة، بهدف إعادة عشرات الآلاف من العقارات غير المستغلة إلى سوق الإسكان، بدلاً من تركها مهجورة ومعرضة للتدهور.
وأعلنت الحكومة تعديلات على نظام «أوامر إدارة المساكن الشاغرة»، تتيح للمجالس المحلية التدخل في إدارة العقارات التي تظل خالية لمدة ستة أشهر فقط، بدلاً من الانتظار عامين كما كان معمولاً به سابقاً.
ولا تعني هذه الأوامر انتقال ملكية المنزل إلى المجلس المحلي، إذ تظل الملكية لصاحب العقار، بينما يمكن للسلطات تولي إدارته وتأجيره لمدة تصل إلى سبع سنوات. وتهدف الخطوة إلى إعادة الاستفادة من المساكن القائمة قبل أن تتدهور حالتها، ما قد يجعل إصلاحها أكثر كلفة ويزيد من صعوبة إعادتها إلى سوق الإسكان.
300 ألف منزل شاغر
تأتي الإصلاحات في وقت تجاوز فيه عدد المنازل الشاغرة لفترات طويلة في إنجلترا 300 ألف عقار.
وتشير الأرقام الرسمية إلى وجود 303,185 عقاراً ظل شاغراً لمدة ستة أشهر على الأقل في أكتوبر/تشرين الأول 2025، بزيادة 14.5 %على 264,884 عقاراً قبل عام، لتشكل هذه المنازل نحو 1.2 %من إجمالي المساكن في إنجلترا.
وتشمل هذه الفئة عقارات خالية لأسباب مختلفة، بينها انتظار إجراءات حصر التركة بعد وفاة المالك، أو الخضوع لأعمال ترميم، أو الاستعداد للبيع، ما يعني أن جميع المنازل المصنفة شاغرة لفترة طويلة لا تمثل بالضرورة حالات إهمال متعمد.
وفي المقابل، تقدّر شبكة "إمبتي هومز نتوورك" عدد المنازل الشاغرة لفترات طويلة بنحو 309,856 منزلاً في نهاية عام 2025، بزيادة 13 % خلال عام واحد.
التحرك قبل تدهور العقارات
تسمح التعديلات للمجالس المحلية بالتحرك في وقت أبكر عندما يظل المنزل خالياً، بما يساعد على منع تدهوره وتحويله إلى عقار يحتاج إلى عمليات ترميم مكلفة قبل إعادته إلى السوق.
كما تعتزم الحكومة تبسيط إجراءات إصدار أمر إدارة العقار، من خلال إلغاء بعض المتطلبات التي كانت تلزم السلطات بإثبات وجود مشكلات، مثل الإزعاج المتكرر أو السلوكيات المسببة للمضايقة في الحي، أو الحصول على دعم من السكان المحليين قبل التدخل.
وبموجب التعديلات، ستتمكن السلطات المحلية من التقدم بطلب إلى محكمة العقارات السكنية لإصدار الأمر بإجراءات أبسط وأقل تعقيداً.
وقال ماثيو بينيكوك، وزير الإسكان البريطاني، إن إعادة المنازل الشاغرة إلى الاستخدام «يمكن أن تساعد في حل أزمة الإسكان»، مضيفاً أن الحكومة تعمل على تعزيز صلاحيات المجالس المحلية للسيطرة على المنازل الشاغرة لفترات طويلة واستخدامها لإيواء الأسر المحتاجة.
وتبحث الحكومة أيضاً إجراءات إضافية لتقوية نظام أوامر إدارة المساكن الشاغرة وتشجيع المجالس المحلية على استخدام هذه الصلاحيات، بما في ذلك معالجة التكاليف التي قد تتحملها السلطات عند تولي إدارة العقارات.
جدل حول حقوق الملكية
وأثارت الخطوة انتقادات من سياسيين محافظين ونشطاء في مجال حقوق الملكية، الذين رأوا أن خفض فترة الانتظار إلى ستة أشهر يوسع تدخل الدولة في العقارات الخاصة.
وقال كيفن هولينريكي، الوزير المحافظ السابق، إن الإجراء يمثل مساساً بحقوق الملكية، بينما حذر اللورد ديفيد فروست، الوزير السابق لشؤون "بريكست"، ملاك المنازل من ترك عقاراتهم شاغرة.
في المقابل، دافعت الحكومة عن الإصلاحات، مؤكدة أنها تستهدف المنازل التي تظل خالية لفترات طويلة، وليس العقارات التي تكون شاغرة مؤقتاً بين مالكين أو خلال أعمال ترميم مشروعة.
كما أشارت الحكومة إلى أن الهدف هو منع العقارات من الوقوع في حالة متقدمة من الإهمال، وفي الوقت نفسه توفير مساكن إضافية للأسر التي تحتاج إليها.
لماذا تتراكم المنازل الشاغرة؟
تظهر بيانات سوق الإسكان أن أسباب بقاء المنازل خالية متعددة، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها مشكلة واحدة.
فبعض العقارات الشاغرة يقع في مناطق مرتفعة الأسعار، حيث يشتريها أثرياء كأصول استثمارية ولا يستخدمونها للسكن. وهناك أيضاً المنازل الثانية، التي تتركز في مناطق سياحية وبعض المدن، إضافة إلى عقارات تابعة للمجالس المحلية لا تجد التمويل اللازم لترميمها وتجهيزها.
أما الفئة الأكثر تعقيداً فتتعلق بالمنازل التي تصبح شاغرة بعد وفاة أصحابها، حيث يمكن أن تتأخر إجراءات التركات والإرث، أو لا يمتلك الورثة الأموال اللازمة لترميم العقار أو بيعه.
وتوجد في إنجلترا أكثر من 120 ألف ملكية من هذه الفئة المرتبطة بوفاة المالك، وهي من أسرع فئات المنازل الشاغرة نمواً مع تقدم السكان في العمر.
مليار جنيه لإصلاح المساكن
ولا تقتصر المشكلة على المنازل الخاصة، إذ تواجه المساكن الاجتماعية أيضاً تحديات كبيرة.
وأظهرت أبحاث شركة "هاوس مارك" أن نحو 300 ألف مسكن اجتماعي أصبح شاغراً خلال 2023-2024، فيما أنفقت الجهات المعنية أكثر من 1.1 مليار جنيه إسترليني (1.46 مليار دولار) على إصلاح هذه الوحدات، إضافة إلى نحو 220 مليون جنيه (292 مليون دولار) لتجهيزها للمستأجرين الجدد.
وتشير هذه الأرقام إلى أن إعادة المنازل القائمة إلى الاستخدام قد تتطلب استثمارات كبيرة، خصوصاً في العقارات التي تحتاج إلى تحديثات واسعة قبل أن تصبح صالحة للسكن.
وفي هذا السياق، أشار خبراء إلى أن ترميم منزل قائم يستهلك كميات من الكربون تقل بنحو 50% إلى 80% مقارنة ببناء منزل جديد، ما يجعل إعادة استخدام العقارات الشاغرة قضية سكنية وبيئية في الوقت نفسه.
فرصة عقارية لم تستغل
ويرى العاملون في سوق العقارات أن المنازل الشاغرة تمثل أيضاً فرصة استثمارية كبيرة، إذ يمكن شراء بعض العقارات المتدهورة بأسعار منخفضة، ثم إعادة تأهيلها وتأجيرها أو بيعها.
وتعمل شركات متخصصة مثل "غرافتون إمبتي هومز" و"كورنفستون هومز" على تتبع ملاك العقارات الشاغرة، والتوسط معهم، ثم تحديد ما إذا كان من الأفضل بيع العقار أو تأجيره للسلطات المحلية لاستخدامه في الإسكان المدعوم.
وقالت «غرافتون إمبتي هومز» إنها أعادت نحو 4 آلاف منزل إلى الاستخدام، وساعدت المجالس المحلية والورثة في التعامل مع أكثر من 10 آلاف عقار.
وفي الوقت نفسه، يشير خبراء إلى أن الدعم المباشر لملاك العقارات لا يزال محدوداً، إذ لا يقدم سوى نحو 20 % من المجالس المحلية في بريطانيا منحاً مباشرة لمساعدة أصحاب المنازل على تمويل أعمال الترميم.
تأثير يتجاوز المالك إلى الحي
ولا تقتصر تداعيات المنازل المهجورة على عدم توفير وحدات سكنية، بل تمتد إلى قيمة العقارات والمظهر العام للأحياء.
وأظهر استطلاع شمل 2000 شخص في بريطانيا أن 44 % منهم لن يرغبوا في شراء منزل إذا كان بجوار عقار شاغر، بينما قال 34 % إن وجود منزل خالٍ في الشارع نفسه قد يدفعهم إلى رفض شراء العقار.
كما قال 27 % إن وجود حديقة مهملة ومليئة بالنباتات بجوار المنزل قد يؤثر في قرارهم، بينما رأى 22 % أن العقار الشاغر قد يؤثر في قيمة منزلهم.
ويعكس ذلك اتساع نطاق المشكلة، إذ لا يمثل المنزل الشاغر مجرد أصل غير مستخدم، بل يمكن أن يؤثر أيضاً في جاذبية الحي وقيم العقارات المحيطة به.
صلاحيات موجودة منذ 2006
وليست هذه المرة الأولى التي تمنح فيها المجالس البريطانية صلاحيات لإدارة المنازل الشاغرة.
فقد أصبح بإمكان السلطات المحلية طلب أوامر إدارة المساكن الشاغرة منذ عام 2006، عندما كانت المدة المطلوبة لتأهل العقار ستة أشهر، قبل أن ترفع الحكومة هذه المدة إلى عامين في عام 2012.
وتقول الحكومة إن إعادة الحد إلى ستة أشهر ستمنح المجالس فرصة للتدخل في مرحلة مبكرة، بينما تشير البيانات إلى أن لا طلبات جديدة للحصول على هذه الأوامر قُدمت منذ عام 2021، ما دفع الحكومة إلى البحث عن سبل لجعل النظام أكثر فاعلية.
وتأتي الإصلاحات في إطار مسعى أوسع لإعادة الاستفادة من المخزون السكني القائم، في وقت تستهدف فيه الحكومة البريطانية بناء 1.5 مليون منزل جديد بحلول أغسطس/آب 2029، بينما يرى مؤيدو إعادة استخدام العقارات الشاغرة أن جزءاً من الحل موجود بالفعل في المنازل القائمة التي لا تزال خارج سوق السكن.