منذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945، لم تشهد المنظمة الدولية مثل هذا الارتباك في مواقف الأسرة الدولية الناجم أساساً عن تصاعد لغة الحروب والتهديدات وتزايد الصراعات والبؤر المشتعلة في العالم على حساب الدبلوماسية والبحث عن تسويات سلمية لها استناداً إلى المبادئ والقواعد والقيم التي أنشئت من أجلها.
حتى إبان الحرب الباردة، كانت مواقف الدول الكبرى أكثر وضوحاً، سواء في حالات الاختلاف أو الاتفاق، وكانت الاصطفافات والتحالفات ظاهرة للعيان، وكانت الحسابات السياسية تبنى وفق معايير دبلوماسية محددة. لكننا اليوم نشهد خليطاً في المواقف والمعايير المزدوجة حتى في إطار الدولة الواحدة فوق منبر الأمم المتحدة، ما يطرح الكثير من التساؤلات حول ما إذا كانت المنظمة الدولية قد تحولت إلى مجرد ساحة لعرض المواقف أكثر منها منبراً لحل المشكلات العالمية.
قلة قليلة من الدول حاولت الدفاع عن قيم ومبادئ الأمم المتحدة، مثل بعض الدول الأوروبية، خصوصاً إسبانيا، التي حاولت التذكير بالأسس والأهداف التي قامت المنظمة الدولية من أجلها، بينما سعت دول أخرى إلى استثمار المناسبة الدولية لتحقيق أهدافها الخاصة، ومنها من لم تتردد في محاربة المنظمة الدولية ومؤسساتها في مكان والاستفادة منها في مكان آخر.
بهذا المعنى، تحولت المنظمة الدولية إلى ميدان للتنمر والسجال، خصوصاً بين الدول المتنفذة واستعراض القوة وإيصال الرسائل المتبادلة، بينما بقيت الحروب والصراعات والمشكلات العالمية على حالها. والغريب هنا أن دولاً كبرى مثل الولايات المتحدة لجأت إلى استخدام خطاب مزدوج يتراوح بين الرغبة في تحقيق السلام والتهديد باستخدام القوة.. بين محو إيران، على سبيل المثال، والتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب، فيما ذهبت إلى حل مشكلاتها العالقة مع الصين خارج الأمم المتحدة.
والأغرب أن هناك دولاً مثل إسرائيل، حاولت الظهور بمظهر الضحية، بينما هي على أرض الواقع تحتل أراضي عدة دول عربية وترفض التوصل إلى أي تسوية سلمية مع هذه الدول وتمارس العدوان يومياً في أكثر من اتجاه.
السؤال الجوهري هنا، لماذا تصر بعض الدول على استخدام منبر الأمم المتحدة وتقوم بعرقلة عملها في آن؟ وكما هو معروف، فالولايات المتحدة مثلاً تبني جوهر تحركاتها في التعامل مع القضايا الدولية والصراعات المشتعلة في العالم وتنشئ التحالفات لهذا الغرض خارج إطار الأمم المتحدة، فما الجدوى إذاً من إبقاء المنظمة الدولية مهمشة وعرضة لقطع التمويل وفرض العقوبات على بعض مؤسساتها.
وكذلك الحال بالنسبة لإسرائيل التي لم تكتف بعدم تنفيذ أي من قرارات المنظمة الدولية عبر تاريخها، بل قام مندوبها في الأمم المتحدة بتمزيق ميثاقها من على المنبر ذاته، كما أنها حظرت عمل الكثير من مؤسساتها في الضفة الغربية وقطاع غزة. وبعد ذلك، ألم يحن الوقت لمراجعة دور الأمم المتحدة والنظام الدولي برمته، بما يكفل تحقيق العدالة للشعوب وسيادة الدول والحفاظ عل السلم والأمن الدوليين؟
