عُدَّتِ الدّيمقراطيّةُ، في الفكر السّياسيّ المعاصر، المبدأَ الأساس لكلّ شرعيّةٍ سياسيّة ومصدَرَها الرّئيس. ليس من شرعيّةٍ، في ذلك الفكر، لأيّ سلطةٍ سياسيّة إلاّ الشّرعيّة الدّيمقراطيّة، وما عداها باطلٌ أو منقوصٌ أو مطعون فيه. الدّيمقراطيّة وحدها تُحقِّق، في نظريّة السّياسة الحديثة، المبدأَ الذي تقوم عليه السّلطة في النّظام السّياسيّ الحديث ومقتضاه أنّ الشّعب مصدر السّلطة والسّيادة: منه تنبع، وهو يمارسها من طريق ممارسته حقَّه في تفويض مَن يَكِلُ إليه القيام بها وعلى أمرها نيابةً عنه.
الاقتراعُ آليةٌ لتوقيع ذلك التّفويض (تصييره واقعاً) الذي يأخذ شكل تمثيلٍ سياسيّ يُنجب هيأة تمثيليّة تنوب عن صاحب السّلطة (الشّعب) في تشريع القوانين، وتنتخب منها هيئة تنفيذيّة (حكومة) تطبِّق ما قرّرتْه الأولى نيابةً عن الشّعب وتدير شؤون السّلطة في الدّولة.
هكذا يظلّ الشّعبُ في هذا النّظام - وطبقاً لهذه النّظريّة السّياسيّة - مالكاً للسّلطة، مفوِّضاً غيره إدارتَها نيابةً عنه ومالكاً، في الوقت عينه، الحقَّ في أن ينزع التّفويض عن المفوَّضين (النّوّاب) إنْ هُم أساؤوا التّمثيل والنّيابة وحادوا عن صيانة الحقوق والمصالح العامّة للمواطنين. وعليه، ما من شرعيّةٍ سياسيّة تعلو مقاماً هذه الشّرعيّةَ التي يوفّرها نظامٌ سياسيّ - هو النّظام الدّيمقراطيّ - يَحفظ للشّعب مصدريَّتَه وحقَّه في سلطةٍ تُمثِّله وتحكُم باسمه ونيابةً عنه، إنّها الشّرعيّة النّابعة من إرادة الشّعب.
ولأنّ الشّرعيّة بهذه المثابة، فقد نُظِر إليها بما هي أعلى أنماط الشّرعيّة وأفضلُها: على مثال تصنيف ماكس ڤيبر للشّرعيّات وتمييزِه ونمطِ كلٍّ منها وتعيين مَواطن الفرادة والتّفوُّق في هذا النّمط الذي سمّاهُ نمط الشّرعيّة العقلانيّة، القائمة على إرادة الشّعب وسيادة القانون ونظام المؤسّسات. على أنّ هذه الدّيمقراطيّة، التي أُعْلِيَ مقامُها وقُدّست سياسيّاً، لم تَسْلَم من غوائل الزّمن ومن الثُّغَر ومَواطن العطب فيها لتجدَ نفسَها واقعةً في أحوالٍ متباينةٍ من التّأزُّم ما عادت معها تعمل بالسّلاسةِ المعتادة عينِها، ولا عادت تملك ما كان لها من الجاذبيّة قبْلاً في عيون الشّعوب التي رفَلت فيها في الماضي.
ليس يهِمّنا أن نبحث في ما إذا كان مصدرُ الخلل في النّظام الدّيمقراطيّ كامناً فيه ذاتيّاً وتكوينيّاً، لتشوُّهاتٍ في البنية والخِلْقة مثلاً، أو كامناً في سوء تطبيقه وتحقيقِه في السّواد الأعظم من الدّول التي أخذت به واعتمدت آلياته، وإنّما يهمّنا أن نلقيَ ضوءاً سريعاً على بعض ما باتت تعانيه هذه الدّيمقراطيّة. يمكن أن نشير، في إسراعٍ، إلى وجهيْن رئيسين لتلك المعاناة المديدة التي تشهد عليها الدّيمقراطيّة اليوم ومنذ عقودٍ خلت:
أوّلها ما بات يعتور نظام المشاركة والتّمثيل السّياسيّيْن من نقصٍ فادحٍ في الكمِّ والنّوع يطعن في سلامة النّظام الدّيمقراطيّ وشمولِه جميعَ فئات المجتمع. بعضُ ذلك النّقص قديمٌ، نسبيّاً، وقد أخذ شكلَ إقصاءٍ واستثناءٍ يقوّضان، من حيث المبدأ، الأسس الدّيمقراطيّة للنّظام السّياسيّ، أمّا بعضه الثّانيّ فحديث: ومنه ذلك الاستثناء الذي يضع عتباتٍ تمثيليّةً على كلّ الأحزاب تَخطّيها لحيازة الحقّ في المشاركة في المؤسّسات بذريعة الحدّ من تذرُّر التّمثيل، مع ما يُخلِّفه ذلك من إقصاءٍ وحرمانٍ لبعضها الصّغير.
في مقابل هذا الحجب والحرمان، يتّجه التّمثيلُ السّياسيّ في الدّيمقراطيّات الغربيّة - ونظائرها العالمثالثيّة استطراداً - إلى حيث يغدو فضاءً محتَكَراً، بالكلّيّة، من قوى الرّأسمال في المجتمع. هكذا يجد نظام الدّيمقراطيّة نفسَه وقد عاد القهقرى إلى ما كانه قبل الحرب العالميّة الأولى: حين لم يتّسع لفئات المجتمع جميعِها بل للطّبقات المالكة لوسائل الإنتاج حصراً! وهذا إنّما يعني أنّ انهياراً حَصَل في هذا النّظام الدّيمقراطيّ بضرب أحدِ أهمّ أركانه التي يقوم عليها: المشاركة والتّمثيل.
ثانيها التّناميّ المطّرد لظاهرة تشظّيّ التّمثيل السّياسيّ والنّيابيّ وتشتُّته على النّحو الذي يوشك معه أن يصير فسيفسائيّاً! بعد ردْحٍ طويلٍ من الزّمن، امتدّ منذ النّصف الثّانيّ من القرن التّاسع عشر حتّى ثمانينيّات القرن العشرين، كان الصّراع السّياسيّ، في معظم دول العالم ومجتمعاته، يدور في نطاقٍ من التّقاطب بين قوّتين/جبهتين رئيستين: يمين ويسار، تلتحم كلّ جبهة منها على مشتَرَكاتٍ وتفترق على خلافات في الرّأي والمصلحة، وكان التّقاطب ذاك يترجم حالاً من الصّراع الاجتماعيّ بين فئات وطبقات عديدة متباينةِ المصالح، متنازعة عليها وعلى السّلطة.
