في أقل من ثانية، وثّقت كاميرا مراقبة قرب صالة بولينغ في كاراباليدا في فنزويلا انهيار 8 مبانٍ في وقت واحد، وكان ذلك في 24 يونيو/حزيران 2026، حين ضرب زلزالان متتاليان بقوة 7.2 و7.5 درجة الساحل الفنزويلي. وبعد ثلاثة أشهر، يكشف تحقيق لوكالة أسوشيتد برس أن تحذيرات علمية جرى تجاهلها، وقرارات سياسية دفعت إلى بناء أبراج خرسانية شاهقة على أرض غير مستقرة قرب صدع رئيسي، ثم انهيار جماعي أودى بحياة أكثر من 6500 شخص وشرّد أكثر من 17000 آخرين.
التحقيق، الذي استند إلى مقابلات مع عشرات المهندسين وعلماء الزلازل ومسؤولين حكوميين سابقين، يقول إن سكان لا غوايرا لم تكن لديهم فرصة تُذكر عندما ضربت الزلازل، بيوتهم، فالحكومة، وفق التحقيق، بنت بالضبط النوع الخاطئ من المباني في الموقع الخاطئ.
تحذيرات من «تحدّي الطبيعة»
كان العلماء قد حذّروا الحكومة من البناء على طول الشريط الساحلي في ولاية لا غوايرا. فالمنطقة، الواقعة قرب كاراكاس، تجاور خط صدع رئيسياً وسلسلة جبلية أطلقت كوارث طبيعية مدمرة متكررة. والتربة هناك رديئة، من نوع الطمي الذي يضخّم الاهتزاز أثناء الزلازل. وقال كارلوس فالديس، رئيس قسم علم الزلازل في معهد الجيوفيزياء بالجامعة الوطنية المستقلة في المكسيك، إن المسؤولين الحكوميين كانوا «يتحدّون الطبيعة» عندما قرروا البناء هناك.
وبدلاً من الاستماع إلى التحذيرات، شيّدت الحكومة مجمعات سكنية خرسانية شاهقة. وبعد الزلزالين، انهار ما لا يقل عن 14 برجاً سكنياً في لا غوايرا في وقت واحد تقريباً، وفق التحقيق. وسقطت الطوابق فوق بعضها بعضاً، وحبس مئات السكان في الداخل. واندلعت حرائق عندما انفجرت خزانات الغاز. وصرخ الناس طلباً للمساعدة. ولم ينجُ سوى قليلين. وانتُشلت جثث من أماكن كانت غرف نوم وسلالم وممرات ومطابخ، ووُجد كثيرون متعانقين.
من مأساة 1999 إلى قرارات 2011
المنطقة ليست غريبة على الكوارث، ففي 1967، ضربها زلزال قاتل بقوة 6.6 درجة، فدفع إلى وضع إرشادات للبناء المقاوم للزلازل وإنشاء المؤسسة الفنزويلية للأبحاث الزلزالية. وفي 1999، دمّرت فيضانات وانهيارات طينية المنطقة وقتلت عشرات الآلاف. وبعد تلك المأساة، اختار الرئيس هوغو تشافيز المهندس ووزير العلوم آنذاك كارلوس خيناتيوس لقيادة خطة إعادة إعمار.
وعمل الفريق مع خبراء محليين ودوليين على برنامج للحد من المخاطر، تضمّن قيوداً على استخدام الأراضي في الشريط الساحلي، أساساً لتقليل مخاطر الأمطار، وبدرجة أقل الزلازل. وقال خيناتيوس لـ AP إن هناك «مناطق وقطع أرض كان لا ينبغي استخدامها لأنها معرضة للفيضانات أثناء المد العالي، في مثل هذه الأماكن، ينبغي وضع منشآت خفيفة جداً، وحدائق، وملاعب رياضية، أو مرافق مشابهة لا تسبب أضراراً كبيرة، والأهم ألا تؤدي إلى وفيات».
وحذّر العلماء أيضاً من أن تاريخ المنطقة مع الانهيارات الطينية والفيضانات سيزيد مخاطر الزلازل، لأن أي مبانٍ ستُشيد على تربة صخرية رخوة ترسبت عبر قرون. كما أن المنطقة قريبة من خط صدع سان سيباستيان الرئيسي الذي يمتد قبالة الساحل وتحته مباشرة ولاية لا غوايرا، لكن الحكومة تجاهلت هذه المخاطر.
وفي 2011، وبتوجيه من تشافيز، أطلقت الحكومة دفعة ضخمة لتوسيع الإسكان العام. ونُقل المشردون، وكثير منهم من أنصار حركة تشافيز، إلى مدارس عامة ومبانٍ حكومية ومنشآت عسكرية وحتى القصر الرئاسي. ولم تكن لدى الحكومة أرض كافية، ما أدى إلى مصادرة أراضٍ وتشجيع المواطنين على الإبلاغ عن قطع مهجورة. ومع ارتفاع المباني، أثارت منظمات تجارية ومراقبة مخاوف بشأن الالتزام بمعايير البناء، بما فيها متطلبات مقاومة الزلازل، وجودة مواد مثل الأسمنت والصلب.
لماذا انهارت الأبراج؟
صُدم الفنزويليون لرؤية المباني المنهارة بجوار البحر. وكان العلماء مدمّرين أيضاً، لكنهم غير متفاجئين. فالزلازل لم تكن قوية فحسب، بل وجّهت نوع الضربة التي يخشاها المهندسون أكثر من غيرها: نبضة قريبة من الصدع.
وقال مايكل شميتز، الجيولوجي في الجامعة المركزية بفنزويلا إنه عندما تحرك الصدع، تراكمت الطاقة الزلزالية عند مقدمة التمزق أثناء تحركه شرقاً، لتوجّه «ضربة قوية جداً إلى قاعدة المبنى»، فتطرح الدعم من تحته وتتركه غير قادر على تبديد الطاقة بالطريقة التي صُمم بها. في المقابل، صمدت مبانٍ على الجانب الآخر من السلسلة الجبلية في كاراكاس، رغم وجود تضخيم للرواسب، لأنها كانت قادرة على التمايل وتبديد الطاقة.
واحدة من أكبر حركات الأرض
زار إدواردو ميراندا، أستاذ هندسة المدنية والبيئية في جامعة ستانفورد، وفريق من الباحثين فنزويلا بعد أيام من الزلزال. ولما لم تكن هناك أجهزة أو بيانات محلية لتحديد شدة الاهتزاز، حلّل الفريق فيديو التقطته كاميرتان أمنيتان قرب صالة بولينغ في كاراباليدا، أكثر المجتمعات تضرراً في لا غوايرا. وفي أقل من ثانية، تُظهر اللقطات انهيار 8 مبانٍ في وقت واحد.
وبتتبع الحركة إطاراً بإطار، أعاد الفريق بناء كيفية إنتاج الزلزال للحركة الظاهرة. وكشف التحليل عن واحدة من أكبر حركات الأرض التي جرى توثيقها في العالم، وقدم المعلومات الكمية الوحيدة عن حركة الأرض قرب الصدع. وقال ميراندا إنه كان سيكون من الصعب على منشآت تستوفي معايير السلامة في اليابان، التي لديها من أشد قوانين البناء صرامة، أن تنجو مما حدث في 24 يونيو. وخلص البحث إلى أن مبانٍ في كاراباليدا دُفعت بعيداً في اتجاه واحد ولفترة طويلة لدرجة أنها بلغت نقاط انكسارها.
ولم تقدّم الحكومة أي معلومات عن تحليلات جنائية في الموقع يقول خبراء إنها حاسمة لتحديد الأسباب والمسؤوليات. لكن أعمال التنظيف، بما فيها تفجير المباني المتضررة بالديناميت، جارية، وكذلك جهود إعادة البناء.
تكرار الخطأ؟
وقدّرت الحكومة أن أكثر من 17000 شخص شرّدوا بسبب الزلازل. وعاش آلاف منهم في ملاجئ أو مخيمات أو على أرصفة قرب منازلهم السابقة. ومُنح بعضهم منازل في مبانٍ سكنية عامة في كاراكاس. ووعدت الحكومة بإعادة بناء لا غوايرا، وأعلنت بعد أسابيع من الزلزال أنها حددت أرضاً في الولاية حيث يمكن أن يبدأ البناء قريباً.
لكن خبراء يأملون ألا تكرر الحكومة أخطاء 15 عاماً مضت، وأن تتبع نهجاً دقيقاً ومدروساً. ويقولون إن أعمال التصميم والبناء الإضافية اللازمة لبناء أبراج شاهقة قادرة على مقاومة الزلازل في المنطقة من المرجح أن تثني الدولة وبعض المستثمرين الخاصين عن تطوير مناطق معينة.