لقد حان وقت دفع الفاتورة أخيراً. فعلى مدى ما يقرب من عقدين من الزمن، عاشت واشنطن في ظل وهم مغرٍ وخطر مفاده أن الديون ليست مشكلة.
كان بإمكان الولايات المتحدة أن تقترض بقدر ما تريد، وأن تنفق بقدر ما تريد، دون خوف من دفع الثمن. كانت أسعار الفائدة منخفضة، والتضخم منخفضاً، والطلب على سندات الخزانة يبدو لا نهائياً، وأي موقف سياسي يحذّر من المسؤولية المالية يغرّد خارج السرب باعتباره متذمراً عالقاً في تسعينات القرن الماضي.
هذا الوهم ينتهي الآن. ليس بتخلّف دراماتيكي عن السداد أو أزمة مفاجئة، بل بحقيقة أكثر تآكلاً بكثير، وهي نزف بطيء ومستمر بدأ يظهر في كل زاوية من زوايا الحياة الأمريكية. بنهاية الشهر الماضي، تجاوز الدين الوطني 40 تريليون دولار لأول مرة في التاريخ. وهو رقم لم يكن مكتب الميزانية في الكونغرس يتوقع أن نصل إليه حتى عام 2030.
نحن متقدمون بأربع سنوات عن جدول انهيارنا المالي نفسه. أرقام بهذا الحجم تصبح مجردة؛ لذا دعونا نجعلها ملموسة. هذا يعني 114,000 دولار لكل شخص في هذا البلد.
لكن الدين نفسه لم يكن الفخ الحقيقي. الفخ كان دائماً في الفائدة. في هذه السنة المالية وحدها، أنفقت الولايات المتحدة 931 مليار دولار كصافي فوائد على الدين وحده. وهذا أكثر مما أنفقناه على الدفاع الوطني.
هذا ما يحدث عندما تفرّط في الدين خلال فترة من أسعار الفائدة المنخفضة بشكل مصطنع. الآن أعيد ضبط المعدل، وحان وقت السداد. لسنوات، أخبرنا الاقتصاديون أن الدين العام يزاحم الاستثمار الخاص. بدا الأمر أكاديمياً. الآن يمكنك أن تراه. عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات، وهو المعيار المرجعي لكل شيء تقريباً في اقتصادنا، يقترب من 5%، وهو مستوى لم نشهده منذ ما يقرب من عشرين عاماً. لماذا؟ من جهة؛ لأن المعروض من الدين الحكومي ضخم جداً لدرجة أن المستثمرين يطالبون بتعويض أعلى للاحتفاظ به. ومن جهة أخرى لأن واشنطن تواجه الآن منافسة شرسة على رأس المال من القطاع الخاص نفسه.
تنفق شركات التكنولوجيا الأمريكية تريليونات الدولارات لإنشاء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، مراكز البيانات والرقائق ومحطات الطاقة، وهي تمول الكثير منها في سوق السندات. كل دولار يذهب لتمويل مركز بيانات جديد في أريزونا هو دولار لا يذهب لتمويل وزارة الخزانة.
لم تعد واشنطن هي المقترض النهم الوحيد. عليها الآن أن تنافس. تلك المنافسة تدفع العوائد إلى الأعلى، والعوائد الأعلى تعني تكاليف اقتراض أعلى للجميع.
وفقاً لتقديرات مختبر الميزانية في جامعة ييل، فإن ارتفاع أسعار الفائدة طويلة الأجل منذ عام 2015، مدفوعاً إلى حد كبير بعجزنا المتضخم، قد أضاف نحو 2500 دولار سنوياً إلى كُلفة الرهن العقاري لمدة 30 عاماً على منزل بسعر متوسط. وعلى مدى عمر القرض، ستدفع تلك العائلة 76,000 دولار إضافية، ليس لأنها ارتكبت أي خطأ، بل لأن واشنطن لا تستطيع التوقف عن الاقتراض.
هناك حلقة مفرغة ثانية وأكثر خطورة تعمل الآن. ارتفاع كلف الفائدة لا يدع لصانعي السياسات مجالاً لتمويل أولويات أخرى دون زيادة الإيرادات، أو الخفض في مكان آخر، أو المزيد من الاقتراض. لكن المزيد من الاقتراض يدفع العوائد إلى الارتفاع أكثر.
بدأت فرنسا، التي يبلغ دينها 117% من الناتج المحلي الإجمالي ونموها أقل من 1%، تتعلم هذا الدرس، حيث أصبح عائدها لأجل 10 سنوات ضعف سعر الفائدة للبنك المركزي الأوروبي تقريباً.
* كاتب ومستثمر، رئيس مؤسسة روكفلر الدولية «ريال كلير ويرلد»
