تُعرف بالي بلقب «أرض الآلهة»، وهي تثير في الأذهان صوراً لشواطئ خلّابة، ومناظر طبيعية خضراء يانعة، وثقافة هندوسية عريقة. ومع ذلك، فقد ارتبطت هذه الجزيرة -التي تُعد جنة في غرب إندونيسيا- مؤخراً، بظاهرة الاكتظاظ السياحي، وما يترتب عليها من مشكلات.
برزت بالي كوجهة سياحية لأول مرة في أوائل القرن العشرين، ثم أصبحت محطة ضمن «مسار الهيبيز» (Hippie Trail) الشهير خلال حقبتي السبعينيات والثمانينيات. واليوم، تجذب الجزيرة شتى أنواع المسافرين، فبينما يمارس راكبو الأمواج هوايتهم في «أولواتو»، ويستمتع محبو الحفلات بأجواء «كوتا» الصاخبة، وتتوجه العائلات إلى «سانور»، ويستقر «الرحالة الرقميون» في «كانغو»، يبحث ممارسو اليوغا عن تجارب روحية هادئة في «أوبود».
توفر بالي خيارات إقامة متنوعة تناسب جميع الميزانيات، بدءاً من بيوت الشباب المخصصة للرحالة ذوي الميزانيات المحدودة، وصولاً إلى المنتجعات الفاخرة. ومع ذلك، يمكن القول إن الجزيرة أصبحت ضحية لنجاحها السياحي، إذ استقبلت 7 ملايين سائح في عام 2025، وهو أعلى عدد من الزوار تشهده الجزيرة التي يبلغ عدد سكانها 4.5 مليون نسمة.
الاكتظاظ السياحي
لتكوين فكرة عن واقع الاكتظاظ السياحي في بالي، يكفي إجراء بحث سريع على وسائل التواصل الاجتماعي باستخدام عبارة «بالي: التوقعات مقابل الواقع»، فستجد كل ما تحتاج إلى معرفته. نعم، تلك الصورة لجبل «أغونغ» المؤطر ببراعة بين بوابات معبد «بورا ليمبويانغ» تبدو مذهلة، لكن ما لا تراه في الصورة هو طوابير السياح الطويلة التي تنتظر لساعات، للحصول على تلك اللقطة المثالية. تبدو صور مدرجات أرز «تيغالالانغ» بالقرب من «أوبود» ساحرة ومثالية، إلا أن الموقع تحول فعلياً إلى ما يشبه مدينة ملاهٍ، حيث تتزاحم الحشود لالتقاط الصورة المثالية ل«إنستغرام»، ويطلب السكان المحليون تبرعات عند نقاط التفتيش الموزعة على المسارات.
ومما يزيد الأمر تعقيداً أن السياحة لا تتوزع بالتساوي في أنحاء الجزيرة، إذ تتركز المناطق الأكثر استقطاباً للزوار بشكل أساسي على الساحل الجنوبي الغربي - بدءاً من المطار ومروراً بمناطق «كوتا» و«سيمينياك»و«كانغو» - إضافة إلى «أوبود» في وسط بالي. وفي المقابل، تظل المناطق الواقعة على الساحلين الشمالي والشرقي - مثل «موندوك»، و«أميد»، و«لوفينا»، هادئة نسبياً.
السياحة المفرطة
تُخلّف السياحة المفرطة آثاراً بيئية قاسية، إذ تفقد بالي بسرعة مساحات من حقول الأرز المنتجة لمصلحة المطورين العقاريين الذين يشيدون الفلل والفنادق. ولا تقتصر أهمية حقول الأرز على إنتاج الغذاء فحسب، بل تلعب دوراً حيوياً في امتصاص المياه خلال موسم الأمطار (من نوفمبر إلى مارس). وقد أسهم تراجع هذه الآليات الطبيعية لإدارة المياه - إلى جانب التوسع العمراني غير المنضبط وسوء إدارة النفايات - في حدوث الفيضانات المميتة التي شهدتها بالي عام 2025.
أما الأمر الذي ستواجهه بالتأكيد فهو الازدحام المروري، إذ أسهمت عدة عوامل في تفاقم مشكلات المرور في الجزيرة، منها ضيق الطرق التي تقتصر على مسار واحد، وغياب وسائل النقل العام، وتزايد أعداد الحافلات السياحية، والسيارات، والدراجات النارية المستأجرة.
وتبرز هذه المشكلة بشكل خاص في الجنوب، حيث غالباً ما تشهد الطرق تكدساً مرورياً خانقاً، فقد تتحول الرحلة التي تستغرق عادة ساعتين بين المطار و«أوبود» إلى رحلة شاقة تستغرق أربع ساعات من السير البطيء.
وتشهد بالي حركة سياحية نشطة على مدار العام، لكن السياحة تبلغ ذروتها خلال الموسم السياحي الرئيسي الممتد من يونيو إلى أغسطس. لذا، يُنصح بتجنب الزيارة في هذه الفترة، ليس للحد من تأثيرك السلبي في الجزيرة فقط، بل أيضاً لتستمتع بوقتك في هذه الوجهة الرائعة.
ماذا يقول السكان المحليون؟
أسهم التدفق الهائل لمؤثري وسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز شهرة بالي، وترسيخ صورة مثالية عنها. وعند زيارتك للجزيرة، من المهم أن تتذكر أن بالي تحمل في طياتها ما هو أكثر بكثير من مجرد مقاهٍ جذابة، ومناظر مثالية لالتقاط الصور ونشرها، فهي مكان حقيقي يعيش ويعمل فيه الناس، ويمارسون حياتهم اليومية.
كما تحولت بالي إلى واحدة من أكبر مراكز «الرحالة الرقميين» في جنوب شرق آسيا، بفضل انخفاض كلفة المعيشة نسبياً، وتوفر العديد من مساحات العمل المشترك، ونمط الحياة المريح. ومع ذلك، تنتاب السكان المحليين مشاعر متضاربة تجاه مجتمع الرحالة الرقميين، إذ ينظرون إليهم بشيء من التسامح الحذر، بدلاً من الحماس، أو الترحيب المطلق.
وعلى الرغم من أن العاملين عن بُعد يميلون إلى البقاء لفترات أطول، وإنفاق مبالغ أكبر مقارنة بالرحالة التقليديين (أصحاب حقائب الظهر)، إلا أن تدفقهم أدى إلى ارتفاع أسعار الإيجارات، ما زاد على السكان المحليين من صعوبات تحمّل تكاليف السكن في أحيائهم. وتُعد قضايا السكن المماثلة هذه سبباً رئيسياً في تزايد المعارضة للسياحة في مدن مثل برشلونة والبندقية.
هل سيواجه السياح استياء أو رفضاً؟
لقد أسهمت الاحتكاكات الثقافية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وسوء سلوك بعض السياح، في تنامي مشاعر الإحباط لدى السكان المحليين. ولا يعبر هذا بالضرورة عن موقف معادٍ للسياحة، في حد ذاته، بل يعكس تراجعاً في مستوى التسامح تجاه السياح الذين لا يحترمون الثقافة المحلية، ويلوثون البيئة، ويتسببون في اختناقات مرورية وحوادث. ومع ذلك، فإن هذا النوع من السياح يمثل أقلية، وعلى الرغم من اتفاق الكثير من سكان بالي على أن الجزيرة قد تغيرت، إلا أنهم لا يزالون يرحبون بالسياح الذين يتحلون بالاحترام والوعي الثقافي.