الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الخليج.. من توازن الاستنزاف إلى توازن المصالح

3 أكتوبر 2026 00:35 صباحًا | آخر تحديث: 3 أكتوبر 00:36 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
لم يعُد سؤال الأمن في الخليج متعلقاً بإيران وحدها، ولا بالوجود الأمريكي، ولا بالصواريخ، والمسيّرات، ومضيق هرمز، وباب المندب، كلٌّ على حدة. فقد كشفت أحداث 2026 خللاً أعمق في البنية الأمنية الإقليمية، حيث راكم الجميع أدوات للقوة والردع، لكن المنطقة لم تنجح بعد في بناء قواعد مشتركة تجعل هذه القوة منتجة للاستقرار.
ومن هنا يبرز السؤال هل يبقى الخليج ساحة تتجاذبها حسابات الردع والهيمنة، أم يستطيع الانتقال إلى توازن للمصالح، لا وصاية فيه، ولا هيمنة أحادية؟
الأرقام تكشف حجم المفارقة. فقد بلغ الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون نحو 2.4 تريليون دولار في 2025، بما يضعها مجتمعة في المرتبة العاشرة عالمياً. نحن، إذن، أمام كتلة اقتصادية ذات وزن دولي متزايد، لكنها تعمل داخل بيئة أمنية ما زالت تدفع كلفة مرتفعة لإدارة المخاوف المتبادلة.
وتتجسد المعضلة بوضوح أكبر في جغرافيا الممرات. فقبل اندلاع الصراع، بلغ تدفق النفط والسوائل البترولية عبر هرمز 21.6 مليون برميل يومياً في الربع الأخير من 2025، ثم هبط إلى 4.9 مليون في الربع الثاني من 2026. وفي الاتجاه الآخر، ارتفعت التدفقات عبر باب المندب من 5.4 مليون إلى 8.1 مليون برميل يومياً. ليست هذه أرقاماً للطاقة فحسب، إنها تكشف كيف يمكن للضغط على هرمز شرقاً أن يعيد توجيه الحركة نحو البحر الأحمر، في وقت أصبح فيه باب المندب نفسه جزءاً من معادلة عدم اليقين الأمني.
وقد برهنت التطورات الأخيرة على هشاشة البدائل نفسها. فالسعودية استخدمت خط الشرق–الغرب لتحويل نحو أربعة ملايين برميل يومياً إلى البحر الأحمر بعد اضطراب هرمز، لكن ارتفاع المخاطر قرب باب المندب رفع كلفة التأمين البحري، فيما وصل الحوثيون في سبتمبر(أيلول) إلى جزيرة بريم في قلب المضيق. وهكذا لم يعد أمن هرمز وباب المندب ملفين منفصلين، بل حلقتين في منظومة استراتيجية واحدة تحيط بالجزيرة العربية من الشرق والغرب.
وهنا تتجاوز المسألة حدود الممرات إلى طبيعة النفوذ الإقليمي. فالحوثيون قوة يمنية متحالفة مع إيران، وإن كان من غير الدقيق اختزال قرارهم بالكامل في طهران. لكن النتيجة الاستراتيجية بالنسبة إلى دول الخليج شديدة الحساسية: القدرة الإيرانية على التأثير في معادلة هرمز، بالتوازي مع قدرة حليف إقليمي على تهديد الملاحة في البحر الأحمر، تعمق المعضلة الأمنية، فما يراه طرف أداة ردع، يراه الطرف الآخر سبباً لمزيد من التسلح وتعميق الشراكات الخارجية. وتصف طهران الحوثيين بأنهم حليف، بينما تنفي توجيه عملياتهم عسكرياً.
وهنا تظهر المفارقة الإيرانية. فطهران تدعو منذ سنوات إلى أمن إقليمي تصنعه دول المنطقة، وترى في الوجود العسكري الخارجي مصدراً لعدم الاستقرار.
لكن إذا أدت أدوات الضغط الإيرانية، أو أدوات حلفائها إلى زيادة المخاوف الخليجية، فقد تكون النتيجة معاكسة، مزيداً من البحث عن الضمانات الخارجية. والسؤال الذي يستحق أن تناقشه النخبة الإيرانية هو: هل تُقاس المكانة الإقليمية بقدرة الجيران على الخوف من إيران، أم بقدرتها على جعل قوتها مقبولة داخل نظام إقليمي مستقر؟
في المقابل، يواجه الخليج سؤالاً لا يقل صعوبة: هل يمكن بناء استقلال استراتيجي حقيقي إذا ظل أمن المنطقة مرهوناً بصورة جوهرية بقرار القوة الخارجية؟ لا يعني ذلك التخلي عن الشراكات الدولية، فالسيادة تتضمن حرية الدولة في اختيار شركائها. لكنه يعني أن الشراكة الخارجية ينبغي أن تعزز القدرة الخليجية الذاتية، لا أن تكون بديلاً عنها.
ومن هنا يمكن إعادة تعريف مفهوم «الهيمنة الإيجابية» بعيداً عن الإخضاع. فالقوة الأكثر رسوخاً ليست التي توسع مساحة الخوف حولها، وإنما التي تحوّل وزنها إلى مسؤولية واستقرار.
وإذا كانت إيران تطلب الاعتراف بمكانتها الطبيعية في الخليج، فإن مسؤولية المكانة تقتضي طمأنة الجوار. وبالمثل، يكتسب الثقل الخليجي قيمة استراتيجية أكبر حين يتحول إلى قدرة جماعية على إنتاج الأمن، وصياغة قواعد إقليمية لا تستهدف عزل إيران، ولا تمنحها حق الوصاية على الآخرين.
واللحظة الراهنة تفتح نافذة لإعادة التفكير. فالمفاوضات التي تتوسط فيها قطر بين واشنطن وطهران تناولت مقترحاً إيرانياً لإعادة فتح هرمز واستعادة الملاحة الطبيعية، فيما ظهرت تصورات خليجية إلى بنية أمنية إقليمية تشمل إيران. المطلوب ليس مصالحة عاطفية، ولا إنهاء التنافس، بل «توافق وظيفي للمصالح»: تحييد هرمز وباب المندب، حماية منشآت الطاقة والمدن، احترام السيادة، وفتح قنوات اتصال تمنع سوء التقدير العسكري.
خاتمة القول، إن أمن الخليج لن تصنعه الهيمنة ولا الاستنزاف، بل توازن المصالح والمسؤولية المشتركة، فالقوة الحقيقية هي التي تحمي الاستقرار، وتصون السيادة، وتحوّل الجوار من مصدر للتهديد إلى فرصة استقرار في المنطقة.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة