يقف الصراع الأوكراني- الروسي على أعتاب فصل شتاء جديد، حيث لا تقتصر المواجهة على صقيع الميدان وتبادلات السيطرة الترابية، بل تتعداها إلى استراتيجية «تفكيك المقومات الحيوية» وشل قدرة الطرف الآخر على المواصلة.
ومع اقتراب موجات البرد القارس، تتبلور استراتيجيات الطرفين في محاولة حاسمة لكسر الإرادة والقدرة اللوجستية، إذ دخلت المواجهة الميدانية رحلة جديدة من كسر العظام تستهدف الشرايين الحيوية للطرفين، حيث نقلت موسكو ثقل ضرباتها إلى المعابر الاستراتيجية بالعاصمة كييف، في مؤشر على رغبة مبكرة في شل الحركة وإرباك العاصمة قبل حلول فصل الشتاء، بينما ردت كييف بضرب العمق النفطي الروسي واختبار أسلحة باليستية جديدة.
مخطط لشل كييف
ولم يكد يمر يومان على تعطيل «جسر الجنوب»، حتى أعلنت السلطات المحلية في كييف عن تعرض «جسر الشمال» الممتد فوق نهر دنيبر لضربة موجهة ألحقت أضراراً بالغة بسطح الطريق وشبكة حافلات النقل الكهربائي، مما فرض إغلاقه الفوري.
ويكتسب هذا الاستهداف دلالة ميدانية خطرة، نظراً لشطر نهر دنيبر للشرق والغرب، واعتماد ملايين السكان والقطاعات الحيوية على هذه المعابر في الربط بين المجمعات السكنية والمراكز السياسية والتجارية.
وأمام هذا الشلل المروري، اضطرت السلطات الأمنية لإعادة تنظيم حركة العبور عبر الجسور المتبقية وتكثيف قيود المرور خشية تعرضها لهجمات مماثلة.
«الشتاء قادم»
ولا ينفصل استهداف الجسور عن استراتيجية أوسع نطاقاً تعتمدها القوات الروسية لتفكيك شبكات الكهرباء والخدمات، إذ أدت موجات الهجمات بالصواريخ والمسيرات إلى انقطاع التيار عن أجزاء واسعة من العاصمة ومدن أخرى مثل خاركيف، وسط سقوط ضحايا مدنيين.
وفي حين تؤكد وزارة الدفاع الروسية اقتصار ضرباتها على البنية اللوجستية والعسكرية والموانئ، ترى كييف في هذه التطورات تمهيداً لحرمان السكان من التدفئة والكهرباء مع هبوط درجات الحرارة.
وأمام هذه التهديدات، رفع الجانب الأوكراني من منسوب ضغطه على الحلفاء الغربيين، إذ حث وزير الخارجية أندريه سيبيها الشركاء على الإسراع بتزويد بلاده بـ300 صاروخ اعتراضي على الأقل لمنظومات «باتريوت» لصد الهجمات الباليستية الروسية.
عمق تحت النار
وفي إطار الاستراتيجية المضادة القائمة على إضعاف الموارد المادية واللوجستية للجيش الروسي، واصلت القوات الأوكرانية دك المنشآت النفطية داخل روسيا، مسجلة إصابات مباشرة في مصفاة «لوك أويل» بإقليم فولغوغراد ومرفق نفطي آخر في سامارا.
وفي تطور تقني بارز، كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن دمج صاروخ «FP-7» الباليستي التكتيكي محلي الصنع في العمليات القتالية للمرة الأولى.
بالتزامن مع ذلك، شهدت جبهات الشرق تحركات ميدانية؛ حيث أعلنت كييف استعادة 176 كيلومتراً مربعاً ونقاطاً حيوية شمال دونيتسك لعرقلة اندفاع القوات الروسية، ليترسخ واقع المواجهة كحرب استنزاف شاملة تطال العمق والبنى التحتية لدى الجانبين.