رسّخ ملتقى الشارقة للخط على امتداد سنوات مكانته بوصفه أحد أبرز المنابر الثقافية والفنية التي تحتفي بجماليات الحرف العربي، وتعيد تقديمه بوصفه فناً حياً قادراً على الحوار مع الزمن، والانفتاح على التجارب البصرية المعاصرة، من دون أن يفقد جذوره وخصوصيته الحضارية، فالخط في الشارقة لم يعد مجرد كتابة جميلة أو مهارة تقنية، بل أصبح فضاء للإبداع والتجريب، تلتقي فيه أصالة التراث مع أسئلة الفنون الحديثة، ويتجاوز فيه الحرف مع اللون والتكوين والفكرة.
في هذا الاستطلاع يتحدث عدد من الخطاطين الإماراتيين، عن دور هذا الملتقى، في تكريس فنون الخط العربي في الشارقة وفي العالم، كما يتحدثون عن ذكرياتهم الخاصة خلال مسيرة هذا الملتقى، الذي يعد بكل تأكيد أحد أهم ملتقيات الخط في العالم العربي وفي العالم.
أسماء
الخطاط علي الحمادي الشخصية المكرمة في الدورة الجديدة من الملتقى، اعتبره تظاهرة ثقافية متجددة وعرساً يضم أفضل الأسماء المحلية والدولية من الخطاطين، وهو ملتقى يجمع أقطاب الفن وحراس الحرف العربي من شتى بقاع الأرض، ليحتفوا في حاضنة الإبداع الشارقة بأصالة الموروث وهندسة الكلمات والحروف، وقال: «لقد اكتسب هذا الملتقى صدارة عالمية راسخة بين مجتمعات الخطاطين ووجهة مفضلة لعرض إبداعاتهم، بفضل الرعاية الكريمة والدعم اللامحدود من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الراعي والداعم الأول للحراك الثقافي بالإمارة. وفي أروقة هذا المحفل يتنافس المبدعون منافسة شريفة لإبراز جهودهم في صياغة الحرف العربي بكافة اتجاهاته وأنماطه من القوالب الكلاسيكية الصارمة الموزونة بالنقاط إلى آفاق الحروفية المعاصرة»
وأضاف علي الحمادي «وبما أنني حظيت بشرف اختياري الشخصية الإماراتية المكرمة، فإنني أرى في هذا الملتقى فرصة استثنائية وعميقة لرفد تجربتي، والنهل من خبرات الآخرين، وإضافة قيمة حقيقية لمسيرتي الفنية، إن الملتقى يمثل جسرا معرفيا حيا للتواصل المباشر مع كبار الأساتذة والمجازين الدوليين، مما يمنح الخطاطين الشباب والناشئة فرصة ذهبية لتلقي أسرار الصنعة ممن سبقوهم في هذا الميدان».
وأوضح علي الحمادي أن الملتقى يفتح نافذة حضارية لغير الناطقين باللغة العربية للتعرف إلى تاريخ هذا الفن الإسلامي العريق، إذ شهدنا تأثر العديد من الفنانين الغربيين بجماليات الحرف العربي، ودمجه بأنماط الفنون المعاصرة في تزاوج إبداعي رفع من القيمة المعنوية والمادية للأعمال الفنية عالمياً، واليوم يتوج الملتقى عالميته عبر مسيرته الممتدة التي تتطور في كل دورة، حيث نشهد خلال أيام الدورة الجديدة استقطاب أسماء عالمية بارزة تعرض أحدث روائعها الخطية محققة الغاية الأسمى لهذا التجمع في تبادل الخبرات ونشر المعرفة الهادفة في فضاء الفنون الإسلامية.
ولفت الحمادي إلى أن الخطاط حريص دائماً على كتابة كل ماهو جميل ومفيد وذي معان قيمة نبيلة سواء من القرآن الكريم أو السنة النبوية الشريفة أو الأدب العربي، وهذا بحد ذاته رسالة سامية للعالم أجمع بأن الخط العربي فن يدعو دائماً إلى كل ما هو مفيد للبشرية.
هوية جامعة
الخطاط خالد الجلاف رئيس جمعية الإمارات لفن الخط العربي، تناول محطات أساسية في نشأة الملتقى، معرجاً على تفاصيل مهمة ذات صلة بتأثيره في كثير من الخطاطين الإماراتيين ومختلف دول العالم العربي والإسلامي حيث استهل حديثه بالقول: «عندما نتحدث عن فن الخط العربي لا بد أن نذكر لدولة الإمارات فضلها في إعادة بعث هذا الفن الذي كاد أن يندثر لولا توجيهات كريمة من قيادتنا الرشيدة للحفاظ على هذا الفن الأصيل بشتى الطرق ومن خلال مجموعة كبيرة من المؤسسات التي تمتد على مساحة هذا الوطن الكبير». وتابع: كانت بدايات الاهتمام بالخط العربي من خلال مجموعة من المعاهد المتخصصة بتعليمه وبالتحديد في الشارقة، ففي منتصف تسعينات القرن الماضي، تأسست جماعة الخط العربي ضمن جمعية الإمارات للفنون التشكيلية على أيدي مجموعة من الخطاطين الذين وجدوا في مقر الجمعية ملاذاً لهم ليقيموا أنشطتهم من خلالها، بعد ذلك، وبتوجيهات من صاحب السمو حاكم الشارقة بأن يتم تنظيم بينالي الخط في الشارقة، هذا البينالي الذي أطلق شرارة العمل الفني المنظم والرسمي، والذي تحول بعد سنوات إلى ما يسمى الآن (ملتقى الشارقة للخط) وأصبح قبلة الخطاطين والفنانين من حول العالم، حيث دشنت مسابقة للمشاركة في هذا الملتقى مع جوائز خاصة ما شجع المئات من الخطاطين حول العالم على العودة إلى ممارسة فنون الخط الذي لم يجد أي اهتمام إلا من خلال هذه المبادرة التي نشأت في الشارقة.
ووصف الخطاط خالد الجلاف إطلاق ملتقى الشارقة للخط بما فيه من مبادرات وجوائز وما يحتضنه من برامج ثقافية وفنية مصاحبة تثري المشهد الفني ليس في الإمارات وحسب، بل في العالمين العربي والإسلامي، منوهاً بأن العديد من الخطاطين قد وجدوا في هذا الملتقى دافعاً لهم لتعلم فنونه، حيث صقلت الكثير من المحاضرات التثقيفية التي تلقى في رحابه الكثير من مهاراتهم، وزادت من الخلفية المعرفية المتعلقة بفن الخط العربي سواء تلك المعرفة التقنية أو التاريخية أو الجمالية.
كما نوه خالد الجلاف بالمسابقة الخاصة بالفنانين الإماراتيين في الملتقى التي دفعت الخطاطين للمنافسة والفوز بهذه الجائزة التي رفعت من مستوى إتقانهم لهذا الفن إلى الدرجة التي أصبح بإمكانهم الآن المشاركة في المعرض العام المخصص للخطاطين المحترفين، وهذه، كما أكد خالد الجلاف، واحدة من مميزات هذا الملتقى.
وختم رئيس جمعية الخطاطين الإماراتيين بالقول: يحرص صاحب السمو حاكم الشارقة عند افتتاح فعاليات الملتقى على الحضور إلى معرض الخطاطين الإماراتيين، وذلك لتشجيعهم، والأخذ بيدهم، وتحفيزهم على الاستمرارية ومواصلة تعلم فنون هذا الخط حفاظاً على هويتنا العربية والإسلامية.
فرصة بدورها تحدثت الخطاطة فاطمة الظنحاني عن أهمية الملتقى الذي يتجاوز دوره كتظاهرة فنية، ليشكل مساحة تحفظ ذاكرة الخط العربي، وفي الوقت نفسه يفتح أمام الفنان أبواباً جديدة لتعلم كل ما يستجد بشأن فن الخط في علاقته بالأصالة والتقنيات والجماليات البصرية، وهو بذلك يمنح الفنان فرصة للتعبير عن فنه بشكل مختلف.
بهذا المعنى أكدت فاطمة الظنحاني أن الملتقى أسهم عبر تاريخه الطويل في توسيع تجربة الفنان المحلي والعربي، من خلال احتكاكه بتجارب خطاطين وفنانين من مدارس وثقافات مختلفة، بما يثري رؤيته وأساليبه.
من جهة أخرى تعتقد الخطاطة فاطمة الظنحاني أن الملتقى قد دفع بقوة في اتجاه تطوير اللغة البصرية للفنان، ومنحه فرصة لإعادة قراءة الخط العربي بوصفه تراثا حيا قابلا للتجديد وليس فنا جامدا مرتبطا بالماضي فقط.
وتحدثت فاطمة الظنحاني عن تجربتها في الملتقى ومدى الفائدة التي عادت عليها وقالت: لقد وسع هذا الملتقى رؤيتي الفنية، وعرفني إلى تجارب وأساليب مختلفة ومتنوعة، ما جعلني أكثر جرأة وأكثر وعيا تجاه هذا الفن، وكانت كل مشاركة لي في هذا الملتقى بمثابة فرصة ثمينة للتعلم والتقدم خطوة جديدة في مضمار هذا الفن الجميل.
وأكدت فاطمة الظنحاني نجاح الملتقى بالقول: لقد نجح الملتقى في تعزيز مكانة الشارقة الثقافية، وأكد حضورها بوصفها مدينة تحتفي بالفنون والمعارف والتراث، وتعمل على تقديم الثقافة العربية إلى العالم بلغة معاصرة.