يُعدّ الحضور الصيني في موانئ البحر الأحمر والقرن الإفريقي ملفاً بالغ الدلالة، لا لصلته المباشرة بالتجارة وسلاسل الإمداد فحسب، بل لما يمنحه لبكين من نفوذ محتمل على الأمن البحري وممرات الملاحة والموازين العسكرية. فهو حضور يتجاوز تأمين المصالح التجارية الراهنة إلى رغبة واضحة في تشكيل موازين الأمن والقوة في منطقة حيوية.
ولا يمكن فصل تحرّكات الصين عن حماية شريان اقتصادها. فالبحر الأحمر وقناة السويس يمثلان الشريان الرئيسي لتدفّق الصادرات الصينية إلى أوروبا، ومعبراً حيوياً لواردات الطاقة الخليجية والإفريقية المتوجهة إلى بكين. ويتجلّى ذلك في الاستحواذ البنيوي على الموانئ: فشركات صينية، عامة وخاصة، تسهم في تطوير وتشغيل وإدارة شبكة موانئ استراتيجية تمتد من العين السخنة وبورسعيد والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس في مصر، مروراً بميناء بورتسودان، وصولاً إلى جيبوتي ومومباسا في كينيا. ويمنح هذا التوسّع بكين مرونة كبيرة في إدارة تدفّق السلع، ويحصّنها من الصدمات الخارجية أو أي محاولة غربية مستقبلية لفرض حصار اقتصادي.
وتؤكد الأدلة أن الطموحات الصينية لا تتوقف عند التجارة، إذ تتبنّى بكين نظرية القوة البحرية التي تستلزم حضوراً عسكرياً موازياً لحماية مصالحها الواسعة ومنع تحوّل المنطقة إلى بحيرة غربية معزولة. ويظهر ذلك في ميناء جيبوتي العسكري الذي تأسّس عام 2017، وهو أول قاعدة عسكرية صينية خارج أراضيها، ويمنح القدرة على إسقاط القوة ومراقبة مضيق باب المندب والتدخل السريع لحماية المواطنين والمصالح.
أما الطابع مزدوج الاستخدام للموانئ فيشير إلى إمكانية استعمالها لأغراض مدنية وعسكرية معاً، مع مخاوف من تحوّلها إلى قواعد عسكرية في أوقات النزاع والتوتر واستخدامها ورقة ضغط أو مساومة، كما في حالة تايوان. وهنا يتضح أن الاستثمارات الصينية الضخمة في الموانئ التجارية مصمّمة لتستوعب الاستخدام المزدوج، بمعنى أن موانئ مدنية تديرها بكين قد تتحول إلى مراكز دعم لوجستي ومرافئ لسفن القوات البحرية لجيش التحرير في أوقات الأزمات.
وتستهدف الصين، من خلال حضورها، كسر الاحتكار التاريخي للقوى الغربية وحلفائها في هذه الممرات، وهو ما يُعدّ رداً استراتيجياً غير مباشر على الضغط الأمريكي والحضور العسكري المكثّف في بحر الصين الجنوبي. كما تتوسّع بكين في تقديم الدعم الأمني ومكافحة القرصنة وبيع المعدات العسكرية لدول القرن الإفريقي والساحل، بما يعزّز دورها ضامناً بديلاً للأمن في المنطقة. وتوظّف الصين أدواتها الاقتصادية، من تمويل مشاريع البنية التحتية والطرق والسكك والموانئ والطاقة، لبناء نفوذ استراتيجي طويل الأمد في إفريقيا، مع إمكان تحوّل هذه الشراكات إلى أدوات ضغط سياسي وأمني.
ويتحقق التحوّل إلى نفوذ عسكري عبر مسارات عدة: حماية الاستثمارات كذريعة لحضور عسكري، وهو ما استندت إليه بكين لتبرير قاعدتها الأولى في جيبوتي عام 2017 بحجة حماية خطوط التجارة ومكافحة القرصنة، وتصدير الأسلحة والتدريب، إذ باتت الصين من أكبر مورّدي السلاح للدول الإفريقية، مصحوباً ببرامج تدريب مشتركة وبناء كليات عسكرية تعمّق التبعية للتقنية الصينية.
وخلاصة الأمر أن الحضور الصيني في إفريقيا والمنطقة مزج ذكي بين القوة الناعمة والنفوذ الاقتصادي، والنفوذ العسكري التدريجي، بدأ حاجة ملحّة لتأمين التجارة وسلاسل الإمداد، لكنه تحول مع الوقت إلى أداة جيوسياسية تمنح بكين نفوذاً مثبتاً وقدرة مستقبلية على التأثير في الأمن البحري والممرات.
*أستاذة مشاركة في العلوم السياسية، بكلية السياسة والاقتصاد - جامعة بني سويف(مصر). وباحثة أولى زائرة في مركز دراسات الشرق الأوسط (CMES) بجامعة لوند في السويد.(موديرن ديبلوماسي)
