الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الصين.. وتحوّلات النظام الدولي

22 أكتوبر 2026 00:03 صباحًا | آخر تحديث: 22 أكتوبر 2026 00:03 صباحًا
دقائق القراءة - 3
شارك
share
في لحظة دولية تتكاثر فيها الأزمات وتتزاحم فيها الحروب والاضطرابات، تبدو الصين وكأنها تتحرك بهدوء محسوب داخل الفراغات التي تتركها انشغالات القوى الغربية. فبينما تنصرف الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى الحرب في أوكرانيا، وتداعيات حرب غزة، والتوترات المرتبطة بإيران، وسلسلة أوسع من الأزمات الجيوسياسية، تسعى بكين إلى استثمار هذا الانشغال الغربي لتوسيع حضورها الاقتصادي والدبلوماسي والأمني. ولا تقوم هذه المقاربة على المواجهة المباشرة أو الإحلال الفوري محل واشنطن، بقدر ما تقوم على توسيع هامش الحركة الصيني داخل نظام دولي يشهد قدراً متزايداً من السيولة والارتباك.
أولى ساحات هذا التمدد تتصل بالاقتصاد والطاقة. فقد أتاح استمرار الحرب في أوكرانيا، وما تبعها من عقوبات غربية على روسيا، للصين فرصة لتعزيز موقعها الاقتصادي في علاقتها مع موسكو. إذ تحولت إلى أكبر شريك تجاري لروسيا، ووسّعت وارداتها من النفط والغاز الروسيين، ما منحها قدرة أكبر على التفاوض.
وفي السياق نفسه، تبدو العلاقة مع إيران مثالاً آخر على البراغماتية الصينية. فبكين واصلت شراء النفط الإيراني عبر قنوات تجارية ومالية بديلة، رغم الضغوط والعقوبات الأمريكية، ما أتاح لطهران مورداً مهماً للإيرادات، وفي الوقت ذاته رسّخ موقع الصين بوصفها شريكاً اقتصادياً لا يمكن تجاهله. وإلى جانب ذلك، استفادت الشركات الصينية من اضطراب أسواق الطاقة العالمية لتوسيع صادراتها في مجالات السيارات الكهربائية والألواح الشمسية والتقنيات المرتبطة بالطاقة النظيفة، وهو ما ينسجم مع طموح بكين إلى تقديم نفسها مورداً عالمياً لحلول الطاقة الجديدة، لا مجرد مستوردٍ لمصادر الطاقة التقليدية.
أما على الصعيد الدبلوماسي، فقد حاولت الصين أن تقدم نفسها بصفتها صوتاً مغايراً داخل النظام الدولي، وخصوصاً في أعين دول الجنوب العالمي. فخطابها السياسي والإعلامي ركّز على مفاهيم السيادة والتنمية والحلول التفاوضية، وانتقد ما تصفه بازدواجية المعايير الغربية في التعاطي مع النزاعات الدولية. ففي ملف غزة، شددت بكين على حقوق الفلسطينيين، وضرورة وقف إطلاق النار، والتمسك بحل الدولتين، كما سعت إلى إظهار اختلاف مقاربتها عن النهج الأمريكي. وفي ملف أوكرانيا، طرحت ورقة من اثنتي عشرة نقطة، محاولةً ترسيخ صورة الصين كطرف قادر على الكلام بلغة التسوية لا بلغة الاستقطاب. ورغم أن هذه التحركات لم تُنتج حلولاً حاسمة، فإنها أسهمت في رفع الرصيد الدبلوماسي الصيني في عدد من العواصم الباحثة عن بدائل أو هوامش أوسع في علاقاتها الدولية.
ومن الزاوية الأمنية والعسكرية، تستفيد بكين من الأزمات الجارية بقدر مختلف. فاستنزاف الموارد العسكرية الأمريكية في أكثر من ساحة، لا سيما في أوروبا والشرق الأوسط، يفتح للصين مجالاً إضافياً للحركة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ولهذا واصلت بكين زيادة الضغط العسكري حول تايوان، وتعزيز أنشطتها في بحر الصين الجنوبي، مع المحافظة على مستوى مرتفع من الاحتكاك السياسي والعسكري مع بعض جيرانها، مثل الفلبين واليابان. وفي الوقت نفسه، تراقب الدوائر العسكرية الصينية الحروب المعاصرة عن كثب، لاستخلاص دروس تتعلق بالطائرات المسيّرة، والأسلحة الدقيقة بعيدة المدى، والحرب الإلكترونية، وأنظمة الدفاع الجوي، وهشاشة البنى التحتية العسكرية.
ولا يقل البعد المؤسسي أهمية عن الأبعاد السابقة. فالصين لا تكتفي بتعظيم نفوذها عبر التجارة أو الدبلوماسية الثنائية، بل تعمل أيضاً على تقوية الأطر التي تمنح الدول النامية بدائل عن المؤسسات الغربية التقليدية. ومن هنا تتزايد أهمية توسيع مجموعة «بريكس»، ودور منظمة شنغهاي للتعاون، واستمرار الدفع بمبادرة «الحزام والطريق»، إلى جانب مبادرات أخرى مثل «مبادرة التنمية العالمية». واللافت في هذا المسار أن بكين تقدم نفسها شريكاً يوفر الاستثمار والبنية التحتية والتكنولوجيا من دون الشروط السياسية والحوكمية التي كثيراً ما ترافق المساعدات الغربية. وهذا الطرح يحظى بجاذبية معتبرة لدى حكومات عدة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.
مع ذلك، من الضروري تجنب المبالغة في توصيف هذا الصعود. فالصين لم تحل محل الولايات المتحدة، ولم تنشئ بعد بديلاً مكتملاً للنظام الاقتصادي والمالي الذي تقوده واشنطن. فما زال الدولار يحتفظ بموقعه المركزي في التمويل العالمي، كما أن الاقتصاد الصيني نفسه يظل متشابكاً بعمق مع الأسواق الغربية. غير أن الأهمية الحقيقية للتحرك الصيني لا تكمن في الإحلال الكامل، بل في توسيع المجال المتاح أمام بكين للعمل والتأثير من خارج القنوات الغربية التقليدية، وفي تحويل الأزمات العالمية من مجرد تهديدات إلى فرص محسوبة لإعادة التموضع وتعزيز النفوذ.
وعليه، فإن ما تشهده المرحلة الراهنة ليس انتقالاً فورياً لمركز الثقل الدولي من واشنطن إلى بكين، بل اتساعاً مطّرداً في القدرة الصينية على المناورة داخل نظام دولي متغير.
* أستاذة مشاركة في كلية العلوم السياسية والاقتصاد، جامعة بني سويف، بمصر. وخبيرة في السياسة الصينية، وباحثة زائرة أولى في مركز دراسات الشرق الأوسط (CMES) بجامعة لوند- (السويد). (موديرن ديبلوماسي)

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة