لا تستعيد الأوطان نفسها يوم تصمت المدافع، بل حين تسترد قدرتها على إنتاج الأمان والمعنى والمستقبل، فما شهدته سوريا خلال السنوات الماضية من حروب وأزمات عميقة لم يهدم الحجر وحده، بل أصاب الثقة في جذورها، وأنهك المؤسسات، وفكك الصلة التي تجعل الإنسان يرى في وطنه بيتاً للكرامة، لا مجرد أرضٍ للإقامة. ولهذا لا تقف سوريا اليوم أمام مهمة إعادة إعمار ما تهدّم فحسب، فالإعمار يعيد بناء المدن، أما النهضة فتعيد بناء الدولة والإنسان معاً، إنها أمام استحقاق تاريخي: أن تسترد إرادتها، وتحرّر طاقات أبنائها، وتعيد تشكيل علاقتها بمواطنيها والعالم.
ومن قلب هذا الاستحقاق ينهض السؤال الأشد إلحاحاً: مَن يعيد سوريا إلى نفسها؟ وفي هذه اللحظة الفاصلة، تقف دولة الإمارات العربية المتحدة، بما راكمته من قوة وخبرة ومعرفة، شريكاً راسخاً في صناعة التحول، تسند الاستقرار، وتفتح مسارات التنمية، وتنقل خبرتها في بناء المؤسسات، وتمد إلى سوريا يداً تعينها على تجاوز آثار الحرب، وتساندها في استرداد قدرتها على النهوض واستعادة مكانتها في قلب العالم العربي.
وحين قال الرئيس السوري أحمد الشرع، إن سوريا «وُلدت من جديد»، كان إعلاناً عن مسؤولية تاريخية: لكن أيُّ سوريا ينبغي أن تولد؟ فالميلاد الحقيقي لا يتحقق بتغيير الوجوه وحده، بل بتغيير القواعد التي تحكم علاقة الإنسان بوطنه وهو لا يعني محو الذاكرة، بل تحرير المستقبل من تكرار مآسيها.
ورأس المال الأعظم في معركة النهوض ليس ما تختزنه الأرض من ثروات، بل الإنسان الذي صمد فوقها، والإنسان الذي دفعته الحرب إلى الرحيل عنها، فالسوريون الذين توزعوا في العالم لم يحملوا جراحهم وحدها، حملوا علمهم وخبراتهم وتجارتهم ومهاراتهم وقدرتهم الاستثنائية على صناعة البدايات من قلب الفقد، فقد تعيد الوثائق صاحبها إلى الحدود، إلا أن الثقة وحدها تعيده إلى الوطن، والبلاد التي تريد استرداد أبنائها مطالبة بأن تمنحهم ما هو أقوى من الذكريات.
وترتقي الإمارات من مساندة سوريا إلى الشراكة في نهضتها، إيماناً بأنها ليست وطناً ينتظر الإنقاذ، بل قوة عربية آن لها أن تستعيد مكانها، بسواعد أبنائها وخبرة دولةٍ جعلت الإنسان صانع المستقبل.
ويكتسب هذا المسار ثقله من رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، التي تنطلق من أن استقرار سوريا جزء من استقرار المنطقة، وأن استعادتها قوتها تعيد إلى المجال العربي ركناً لا يكتمل توازنه في غيابه. وقد سبقت الإمارات السياسة إلى الإنسان، فبحسب ما ذكره الرئيس الشرع، استقبلت الدولة نحو 450 ألف سوري، وفتحت أمامهم أبواب العمل والتجارة والحياة الكريمة، فلم ترَ فيهم عبئاً ألقته الحرب، بل طاقة أسهمت في المجتمع والاقتصاد.
كما أن اطلاع الرئيس السوري على منظومة العمل الحكومي في الإمارات يكشف انتقال التعاون إلى صميم بناء الدولة: تطوير الأداء المؤسسي، وتصميم الخدمات، وقياس النتائج، وتسريع الأولويات، وتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وهذه خبرات تمس جوهر التحدي السوري، فالحكومة الحديثة لا تقاس بكثرة قراراتها، بل بقدرتها على تحويل القرار إلى أثر يشعر به المواطن، كما أن الاستثمار الذي لا تمس ثماره حياة الناس قد يقيم مشروعاً، لكنه لا يقيم وطناً.
وفي الاقتصاد، يمثل دخول موانئ دبي العالمية إلى ميناء طرطوس، بموجب امتياز يمتد لثلاثين عاماً واستثمارات مقررة تبلغ 800 مليون دولار، خطوة تفتح أفقاً لتحويل الجغرافيا السورية من ممر عبرته الأزمات إلى ممر تعبره التجارة، فالإمارات لا تراهن على سوريا بالعاطفة وحدها، بل بوعي استراتيجي يدرك أن نهوضها يضيف إلى المنطقة سوقاً وطاقةً وموقعاً ودوراً.
وحين يتفاءل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بعودة «سوريا الحضارة» إلى مكانتها، فهو لا يستدعي مجداً قديماً للاكتفاء بالاحتفاء به، بل يستنهض مستقبلاً يليق بذلك المجد. لقد دفع السوريون ثمن الحرب من أرواحهم وبيوتهم وأعمارهم، فلا يجوز أن يدفعوا ثمن السلام من حقوقهم أو كرامتهم، وستكون عودة سوريا الحقيقية يوم يصبح وطنها قادراً على الاحتفاظ بأبنائه، واستعادة عقول مهاجريه، وتحويل تنوعه من ذريعة للانقسام إلى مصدر للقوة، يوم لا تكون الهجرة شرطاً لتحقيق الحلم، ولا الصمت ثمناً للأمان، ولا الولاء بديلاً عن الكفاءة.
وفي سجل هذه العودة، ستبقى الإمارات حاضرةً لا لأنها كتبت مستقبل سوريا بدلاً من أبنائها، بل لأنها آمنت بحقهم في كتابته، ومدّت إليهم يد الشراكة وهم يستردون وطنهم من الخراب، وقرارهم من الارتهان، وغدهم من الخوف.
وحين يسأل التاريخ: مَن أعاد سوريا إلى نفسها؟ ستكون الإجابة: أعادها أبناؤها حين اختاروا أن يصنعوا من آلامهم وطناً جديداً، ووقف الأشقاء الحقيقيون إلى جوارهم حتى عادت سوريا كاملة الإرادة، عزيزة المكانة، لا تعيش في ظل تاريخها، بل تستلهم منه قوتها، وتصنع حاضراً مزدهراً ومستقبلاً مضيئاً يليق بها وبأبنائها.
