الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

ألاسكا.. مخرج النجاة من أزمة المعادن النادرة

9 أكتوبر 2026 22:32 مساء | آخر تحديث: 9 أكتوبر 22:47 2026
دقائق القراءة - 4
شارك
share
يعتمد الاقتصاد العالمي الحديث على عناصر تُعد الركيزة الخفية لقوة القرن الحادي والعشرين. ولعقود من الزمن، عاشت الولايات المتحدة وهماً خطِراً وهو أن السوق المعولمة ستضمن دائماً إمداداً خالياً من الاحتكاك والتحديات لهذه الموارد الأساسية. واليوم، تبدد هذا الوهم تماماً؛ فقد احتكرت جمهورية الصين الشعبية بشكل منهجي استخراج وتكرير أكثر العناصر حيوية في العالم، ولم تعد بكين تتردد في استخدام هذا الهيمنة كأداة للإكراه الجيوسياسي.
إن هذا ليس مجرد قلق اقتصادي نظري، بل هو أزمة أمنية قائمة بالفعل. ومع تصاعد التوترات التجارية والقرارات الدفاعية التي تضغط على المشهد الدولي، أحكمت بكين قبضتها باطراد على العناصر الأرضية النادرة الثقيلة، وتقنيات المعالجة، والمغناطيس الدائم. ويضرب هذا التضييق قلب القدرات الدفاعية الأمريكية مباشرة؛ فقد تطورت عقود من الصراعات منخفضة الكثافة إلى بيئة أمنية عالمية متقلبة، ما أدى إلى استنزاف سريع لمخزونات الذخيرة الغربية. ولإعادة بناء هذه المخزونات، بدءاً من صواريخ كروز «توماهوك» إلى صواريخ اعتراض «ثاد»، يحتاج الجيش الأمريكي إلى تدفق مستمر من الإلكترونيات المتقدمة والسبائك المتخصصة. ومع ذلك، تحظر اللوائح الفيدرالية الآن بشكل صارم على مقاولي الدفاع الحصول على مكونات صينية؛ لقد أغلقنا قانونياً خطوط إمداد خصمنا بوجهنا دون أن نبني أبوابنا الخلفية البديلة. لا تكمن نقطة الضعف الأساسية في مكان استخراج هذه المعادن من باطن الأرض فحسب، بل في مكان غسلها وفصلها وتشكيلها؛ إذ تسيطر الصين على ما يتراوح بين 85% و90% من قدرات تكرير المعادن العالمية. وحتى لو قامت دولة حليفة باستخراج الكوبالت الخام أو الليثيوم، فإن الخام غير المكرر يتجه حتماً وبشكل شبه دائم في رحلة التفافية عبر المراكز الصناعية الصينية قبل أن يصبح صالحاً للاستخدام في خط التجميع.
يخلق هذا خناقاً يطبق على قطاع التصنيع الغربي وقد يصيبه بالشلل في أي لحظة، وإذا أرادت الولايات المتحدة الحفاظ على تفوقها التكنولوجي، وحماية سيادتها الوطنية، وضمان مستقبلها الصناعي، فعليها أن تنتقل من موقف التبعية الضعيفة إلى موقف الهيمنة المطلقة على المعادن الحيوية.
ولكسر احتكار هذا الحجم، يجب على الولايات المتحدة أن تتطلع إلى أكبر أصولها الجغرافية والجيولوجية وهي ولاية ألاسكا.
يمكن القول بأن ألاسكا مستودع استراتيجي، ووفقاً للمسوحات الجيولوجية الحكومية والفيدرالية، تحتوي الولاية على رواسب لـ57 معدناً من أصل أكثر 60 معدناً حيوياً يتطلبها الاقتصاد العالمي الحديث. إنها جبهة واسعة وغنية بالموارد تقع بالكامل تحت حماية العلم الأمريكي، وتعمل بموجب قوانين عمل ومعايير بيئية محلية صارمة. كما تمتلك الولاية الثروة الجيولوجية الدقيقة المطلوبة لإحباط نفوذ بكين وضغوطها، شريطة أن تمتلك الحكومة الفيدرالية الإرادة السياسية للمساعدة في استخراجها.
وبدأت طليعة ثورة الموارد المحلية هذه تتشكل بالفعل عبر أراضي ألاسكا. ولنتأمل هنا مشروع «جرافيت كريك» في شبه جزيرة سيوارد، والذي يعمل بنشاط على تطوير ما يُعرف بأنه أكبر رأس مال ومخزون معروف للجرافيت في الولايات المتحدة. ويُعد الجرافيت المكون الأثقل والأهم في بطاريات الليثيوم أيون التي تشغل كل شيء. ولسنوات طويلة، ظل الغرب رهيناً بالكامل للجرافيت الصيني الاصطناعي والطبيعي. إن الوصول بمشروع «جرافيت كريك» إلى النطاق التجاري الكامل هو شرط أساسي مطلق لبناء سلسلة إمداد محلية ذاتية الاستدامة للبطاريات.
وعلى نفس القدر من الأهمية، يأتي السباق للحصول على الأنتيمون، وهو معدن حيوي للبصريات العسكرية، والذخيرة، وتقنيات إخماد اللهب. ويعمل مشروع «إستيل»، وهو مركز ناشئ للأنتيمون والذهب تديره شركة «نوفا مينيرالز» على تسريع بناء سلسلة إمداد آمنة ومتكاملة بجرأة كبيرة. وتتدفق على أرصفة ميناء «ماكينزي» في ألاسكا حالياً أكثر من 550 طناً من معدات المعالجة المتخصصة. ويستهدف المشروع بدء الإنتاج الفعلي بحلول عام 2027، ما يظهر مدى السرعة التي يمكن بها للقطاعين الخاص والعام التحرك جنباً إلى جنب عندما يكون الأمن القومي على المحك.
علاوة على ذلك، بدأت الحكومة الفيدرالية تستيقظ وتلتفت إلى الأهمية الاستراتيجية لألاسكا؛ فقد أقرت وزارة الدفاع مؤخراً استثماراً استراتيجياً في أسهم شركة «تريلوجي ميتالز» بقيمة 35.6 مليون دولار لتسريع عمليات الاستكشاف وتطوير البنية التحتية لمشاريع المعادن في «أبر كوبوك» بشمال غرب ألاسكا. وتزخر هذه المنطقة بثروات هائلة من النحاس والكوبالت والجرمانيوم، وهو المزيج الدقيق من المعادن المطلوبة لتغذية تحول الطاقة الخضراء والإلكترونيات الدفاعية المتقدمة على حد سواء. وعندما يبدأ البنتاغون في شراء حصص مباشرة في شركات استكشاف التعدين، فإن عهد التعامل مع تأمين المعادن كمسألة تجارية ثانوية قد انتهى رسمياً.
ومع ذلك، فإن الاعتراف بإمكانات ألاسكا يمثل نصف المعركة فقط؛ أما التحدي الأكثر صعوبة فيكمن في التغلب على عقود من الركود التنظيمي المحلي والإهمال الذي طال البنية التحتية. والحقيقة المرة هي أنه في ظل الهياكل البيروقراطية الحالية، يمكن أن يستغرق مشروع تعدين أمريكي نموذجي ما بين 15 إلى 20 عاماً للانتقال من مرحلة الاستكشاف الأولي إلى مرحلة الإنتاج الفعلي في السوق. وفي المقابل، يمكن للمؤسسات الصينية المدعومة من الدولة تحديد وترخيص وبناء منشأة تكرير جديدة بالكامل في جزء بسيط من ذلك الوقت؛ إننا نخوض سباق فضاء جيوسياسي باستخدام المعاملات البيروقراطية الورقية كمحرك دفع رئيسي لنا.
يتطلب فتح آفاق ألاسكا جهداً موحداً وحاسماً لتبسيط عملية إصدار التصاريح دون المساس بالسلامة البيئية، كما يتطلب التزاماً هائلاً تجاه البنية التحتية الأساسية؛ فالتعدين في المناطق القريبة من القطب الشمالي يحتاج إلى شبكات طاقة موثوقة وعالية الإنتاج وممرات نقل قوية.
* حاكم ولاية ألاسكا الأمريكية (فوكس نيوز)

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة