تبدو الروبوتات البشرية في المعارض التكنولوجية الكبرى ومقاطع الفيديو واسعة الانتشار على وسائل التواصل الاجتماعي، وكأنها المستقبل الحتمي للصناعة العالمية حيث نراها تقفز، وتهرول في الماراثونات، بل وتستعرض مهارات الفنون القتالية في قاعات العرض الفخمة خاصة في بكين.
لكن خلف هذه الهالة الإعلامية البراقة والمكلفة، هناك حقيقة صناعية وجيوسياسية مختلفة تماماً، إذ إن ثورة الأتمتة الحقيقية التي تقودها الصين وتُعيد بها تشكيل الاقتصاد العالمي لا تسير على قدمين، بل تتحرك على عجلات، وتتألف من أذرع ميكانيكية ثابتة تعمل في مصانع مظلمة لا يدخلها البشر.
لقد سارعت أكثر من 150 شركة صينية إلى دخول معترك تطوير الروبوتات البشرية، مدفوعة بفيض من الاستثمارات وحماس حكومي أولي. ومع ذلك، بدأ كبار المخططين الاقتصاديين في بكين مؤخراً في التحذير من «فقاعة» استثمارية واضحة في هذا القطاع.
والسبب في ذلك براغماتي بحت: فالروبوتات ثنائية الأرجل، رغم جاذبيتها البصرية، تمثل كابوساً هندسياً واقتصادياً عند محاولة تشغيلها على أرض الواقع. ذلك لأن معادلة توازن تلك الآلة على قدمين يتطلب محركات دقيقة (Servos) باهظة الثمن ومعالجة برمجية معقدة للغاية، وكل ذلك من أجل أداء مهام في خطوط الإنتاج يمكن لذراع ميكانيكية مثبتة بالأرض أو منصة متحركة على عجلات إنجازها بجزء صغير من التكلفة وبأضعاف السرعة.
تشير البيانات الميدانية إلى أن الروبوتات البشرية التجريبية تعمل حالياً بنصف سرعة العامل البشري، وفي بعض المنشآت المدعومة حكومياً، تنخفض الكفاءة إلى 20% فقط عند تنفيذ المهام البسيطة. علاوة على ذلك، يتطلب الذكاء الاصطناعي الفيزيائي مئات الملايين من ساعات البيانات التدريبية عالية الجودة لكي تتمكن هذه الآلات من التعامل مع البيئات المتغيرة، وهي بيانات لا تزال مراكز الأبحاث تكافح لجمع جزء يسير منها. في المقابل، لا تحتاج المصانع الحديثة إلى روبوتات بملامح بشرية تقود الجرارات أو تحمل الصناديق، بل تحتاج ببساطة إلى أتمتة الجرارات والصناديق نفسها. هنا تحديداً تكمن الثورة الحقيقية الصامتة. فبينما يركز الغرب بشكل مكثف على البرمجيات ونماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي مثل روبوتات الدردشة، تركز السياسة الصناعية للصين على ربط الذكاء بالآلات المادية المتخصصة. ولنأخذ على سبيل المثال تجربة مصنع السيارات الكهربائية التابع لشركة «شاومي» في بكين، حيث يقوم أكثر من 700 روبوت صناعي بمهام اللحام الدقيق، والتثبيت، واللصق، لتبلغ نسبة الأتمتة في العمليات المعقدة 91% بدون أي تدخل بشري. هذه الأذرع الميكانيكية لا تبتسم ولا ترقص، لكنها تعمل بدقة متناهية على مدار الساعة دون توقف.
وفي قطاع اللوجستيات، أحدثت الروبوتات المحمولة الذاتية (AMRs) التي طورتها شركات مثل «جيك بلس» (Geek+) ثورة كاملة في إدارة المستودعات الضخمة. هذه الآلات تتحرك على عجلات وتسترشد برموز استجابة سريعة (QR codes) مطبوعة على الأرض، وتقوم بقلب نموذج العمل التقليدي رأساً على عقب. وبدلاً من أن يسير العامل البشري كيلومترات طويلة للبحث عن البضائع، تأتي الرفوف الشاهقة محمولة فوق هذه الروبوتات مباشرة إلى محطة العمل الثابتة. هذا التصميم البسيط والمخصص حلّ أعقد مشكلات سلاسل الإمداد دون الحاجة لمحاكاة الجسد البشري.
إن ما يمنح الصين تفوقاً ساحقاً في هذه الثورة الصامتة هو قربها من سلاسل التوريد. في مراكز التكنولوجيا مثل شينزين، يمكن لمصنع الروبوتات تأمين المحركات الحيوية، والبطاريات، والتروس، والمستشعرات في أقل من ساعة—وهي عملية قد تستغرق أسبوعاً كاملاً في أوروبا أو الولايات المتحدة. وتدعم الحكومة هذا الزخم عبر مبادرات «روبوت بلاس» التي تنشر الأتمتة في قطاعات غير تقليدية، حيث قفزت معدلات تبني الروبوتات في صناعة الأغذية والمشروبات بنسبة 86%، وفي قطاع المنسوجات بنسبة 29%.
تتجلى الفجوة بين الوهم والواقع في أرقام الإنتاج الضخمة لعام 2025، حيث أنتجت الصين 556 ألف وحدة من الروبوتات الصناعية المتخصصة، مقابل 12800 وحدة فقط من الروبوتات أشباه البشر. هذا الانتشار الهائل أدى إلى ظهور ما يُعرف ب«المصانع المظلمة»، وهي منشآت تصنيعية تعمل بالكامل في ظلام دامس وبلا تكييف هواء، لأن الآلات لا تحتاج إلى الضوء لتتفوق في عملها.
في النهاية، يجب على المستثمرين وصناع القرار إدراك أن التفوق في مضمار الأتمتة لا يتطلب ذكاء عاماً يحاكي البشر، بل يتطلب حل مشكلات محددة وبأعلى كفاءة ممكنة عبر آلات متخصصة. إن الروبوتات أشباه البشر ستظل لسنوات قادمة مادة جاذبة للمعارض ومقاطع الفيديو، لكن الثورة التي تعيد صياغة الاقتصاد العالمي وتقودها الصين بالفعل يتم خوضها وإحراز النصر فيها بواسطة آلات صامتة، مخصصة، وعملية للغاية.
وعلى الرغم من أن المفاجآت التي تزج بها شركات التقنية لا تنقطع وسط بيئة تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، فإن الحاجة العملية إلى الروبوت البشري وقدرته على المنافسة في ميدان العمل ومعايير الإنتاجية ومعادلات الربح والخسارة، ستكون العامل الحاسم في تحديد هوية الفائزين في المستقبل الذي لن يكون بعيداً.
* رئيسة مكتب صحيفة فايننشال تايمز في هونغ كونغ (ريال كلير ويرلد)
