لم يعد التنافس الاقتصادي اليوم محصوراً في رأس المال، أو حجم البنية التحتية، أو وفرة الموارد التقليدية. فهذه العناصر، على أهميتها، لم تعد وحدها كافية لصناعة ميزة تنافسية مستدامة. العالم يتجه اليوم نحو مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ«اقتصاد الهوية»، حيث تصبح شخصية المدينة أو الدولة، ووضوح رؤيتها، وقيمها المؤسسية، وقدرتها على تقديم تجربة متكاملة، عناصر مؤثرة في قرارات المستثمرين والشركات ورواد الأعمال.
في السابق، كانت الاستثمارات تتجه غالباً إلى الأسواق الأكبر حجماً أو الأقل تكلفة أو الأسرع نمواً. أما اليوم، فقد أصبحت أكثر حساسية لعوامل الثقة، والاستقرار، وجودة الحياة، والحوكمة، والاتساق طويل المدى في السياسات الاقتصادية. كما بات المستثمر يبحث عن بيئة يعرف اتجاهها، ويفهم أولوياتها، ويستطيع بناء أعماله فيها على مدى زمني طويل، لا مجرد تحقيق عائد قصير الأجل.
هذا التحول لم يأتِ من فراغ. فمع تسارع التغيرات الجيوسياسية، وتزايد المنافسة بين المدن والمراكز الاقتصادية، وارتفاع أهمية الاستدامة والاقتصاد المعرفي، أصبحت الهوية الاقتصادية عاملاً حاسماً في تقليل الضبابية ورفع الجاذبية الاستثمارية. وفي وقت تتشابه فيه كثير من المدن في البنية الأساسية والخدمات، تصبح الهوية الواضحة هي الفارق الحقيقي.
فالاقتصادات التي تعرف نفسها جيداً، وتستثمر في خصوصيتها الثقافية والاجتماعية والبيئية، تكون أكثر قدرة على جذب الشركات النوعية، واستقطاب المواهب، وتطوير قطاعات جديدة، وبناء ارتباط أعمق مع المستثمرين والزوار والمجتمعات المحلية. وهي أيضاً أكثر قدرة على إنتاج قيمة مركبة تجمع بين العائد الاقتصادي، والأثر الاجتماعي، والجاذبية السياحية، والسمعة الدولية.
وفي هذا السياق، تبرز إمارة الشارقة بوصفها نموذجاً واضحاً لاقتصاد يقوم على هوية تنموية متماسكة. فقوة الشارقة لا تنبع فقط من موقعها الاستراتيجي، أو مرونة اقتصادها، أو تنوع قطاعاتها، بل من قدرتها على الحفاظ على شخصيتها الخاصة وهي تدخل بثقة إلى اقتصاد المستقبل.
فعلى مدى عقود، رسخت الشارقة نموذجاً تنموياً يقوم على التوازن بين الصناعة والثقافة، وبين الاستثمار والتنمية المجتمعية، وبين حماية التراث والانفتاح على الابتكار، وبين النمو الاقتصادي وجودة الحياة. وهذا التوازن منح الإمارة صورة واضحة لدى المستثمرين بوصفها بيئة مستقرة، تعرف أولوياتها، وتبني اقتصادها على أسس طويلة المدى.
وقد لعبت هيئة الشارقة للاستثمار والتطوير (شروق) دوراً محورياً في ترجمة هذه الرؤية إلى مشاريع ومبادرات ذات أثر ملموس. فإسهام «شروق» لم يقتصر على تطوير وجهات استثمارية أو سياحية، بل امتد إلى بناء نموذج تنموي يحول عناصر الهوية المحلية إلى أصول اقتصادية منتجة، ويعيد تعريف العلاقة بين الاستثمار والمكان.
ويظهر ذلك بوضوح في مشاريع أعادت تقديم التراث العمراني كقيمة اقتصادية وثقافية، كما في «منطقة قلب الشارقة»، وفي مشاريع حولت البيئة الطبيعية إلى محرك للنمو المستدام، كما في «منتزه مليحة الوطني» ومشاريع «مجموعة الشارقة للضيافة»، إلى جانب وجهات معرفية وثقافية حديثة مثل «بيت الحكمة»، بما يعكس رؤية الإمارة لمستقبل يقوم على المعرفة والانفتاح وجودة الحياة.
هذه المقاربة أثبتت جدواها بالأرقام. فقد استقطبت الشارقة خلال عام 2025 نحو 142 مشروعاً جديداً في الاستثمار الأجنبي المباشر، وبلغ حجم الاستثمارات ما يقارب 7.74 مليار درهم، مع استحداث أكثر من 5600 وظيفة جديدة. وهي مؤشرات لا تعكس نشاطاً اقتصادياً فحسب، بل تعكس ثقة متزايدة في نموذج تنموي واضح المعالم، قادر على الجمع بين العائد والاستقرار والاستدامة.
كما أن ما يميز الشارقة اليوم ليس فقط قدرتها على جذب الاستثمار، بل نوعية الاستثمار الذي تجذبه. فالاقتصادات القائمة على الهوية تميل إلى استقطاب الشركات التي تبحث عن استقرار مؤسسي، وبيئة أعمال ناضجة، وارتباط حقيقي بالمجتمع، وفرص نمو قابلة للاستمرار. وهذا النوع من الاستثمار غالباً ما يكون أكثر التزاماً، وأطول بقاءً، وأعلى أثراً على الاقتصاد المحلي.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تفتح فرصاً أكبر أمام الشارقة لتعزيز موقعها كمركز اقتصادي يستند إلى الوضوح لا الضجيج، وإلى القيمة الحقيقية لا المكاسب المؤقتة. فالعالم اليوم لا يبحث فقط عن الأماكن الأسرع نمواً، بل عن الأماكن الأكثر اتزاناً، والأوضح رؤية، والأقدر على تحويل خصوصيتها إلى فرص.
إن التجربة تؤكد أن الاقتصادات التي ستقود المستقبل ليست بالضرورة الأكبر حجماً، بل الأكثر قدرة على معرفة ذاتها، وصياغة نموذج تنموي يعكس شخصيتها ويواكب التحولات العالمية. وفي هذا المسار، تقدم الشارقة نموذجاً عربياً متقدماً يثبت أن الهوية ليست مفهوماً ثقافياً فقط، بل أصلاً اقتصادياً حقيقياً، ومحركاً مستداماً للنمو.
* المدير التنفيذي لهيئة الشارقة للاستثمار والتطوير (شروق)
