رغم قساوة المشهد والظروف التي عاشتها أو يعيشها العديد من الدول العربية، حيث تنتقل الصراعات، وما يرافقها من موت ودمار من مكان إلى آخر، ورغم الفواتير العالية التي دفعتها شعوب المنطقة وما تزال، ولا سيما بعد ما سمي ب«الربيع العربي»، إلا أن المتمعن في دروس التاريخ جيداً يلاحظ أن الحروب ليست فقط الطائرات التي تقصف أو الصواريخ التي تسقط على المدن لتنشر الموت والدمار، وأن الحرب الحقيقية تبدأ بعد أن يخفت هدير المدافع وتتوقف أصوات الانفجارات، حينما يكتشف جيل كامل أن أحلامه سرقت على وقع الخوف والقلق، وفقدان الأهل وموجات الضياع المتلاحقة في المنافي، لأن الحروب لا تهدم البيوت فقط، وإنما تترك آثارها شقوقاً نازفة في ذاكرة الإنسان من جيل إلى آخر.
والحقيقة أن أخطر ما تخلفه الحروب من خسائر بشرية ومادية على أهميتها، قد لا يكون ما نراه من الدمار والركام فقط، وإنما ما نراه في نفوس الأطفال والشباب الذين عاشوا تلك التجارب القاسية، فالمجتمعات قد تستطيع إعادة الجسور والطرق والمستشفيات والمدارس، لكن إعادة بناء الإنسان أكثر تعقيداً وأطول زمناً.
ومن هنا تبرز قضية أبناء الحروب بوصفها قضية تتجاوز اللحظة السياسية الراهنة، وإنما محاولة للنظر إلى مستقبل المنطقة من خلال الإنسان الذي سيحمل آثار هذه الحروب إلى العقود المقبلة.
في الحقيقة ما قادنا إلى هذه المقدمة هو حال الملايين من الأطفال والشباب العرب الذين كبروا في زمن لم يمنحهم الفرصة الطبيعية للطفولة، ولا المناخ المناسب لطموحات الشباب.
ففي قطاع غزة على سبيل المثال يعيش الشباب الفلسطيني منذ سنوات طويلة حالة قاسية في ظل الحصار والقيود، فيما فاقمت الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023 من حجم التحديات التي تواجههم. إذ فقد الشباب منازلهم وأفراداً من عائلاتهم ومصادر دخلهم، وتعرضت المدارس والجامعات والبنية التحتية المدنية لأضرار واسعة، والحال ذاته تقريباً في الضفة الغربية، حيث يواجه الشعب الفلسطيني واقعاً متزايداً من القيود على الحركة، والحواجز، والتوسع الاستيطاني، والعنف، والاعتداءات على الأراضي والممتلكات، إلى جانب ارتفاع معدلات البطالة، وتراجع الفرص الاقتصادية والاجتماعية، في ظل السياسة الاستعمارية التعسفية التي تمارسها قوات الاحتلال العنصري الإسرائيلي.
ومن فلسطين إلى سوريا، ولبنان والعراق وليبيا واليمن، حيث عاشت هذه الدول خلال العقود الأخيرة موجات متتالية من العنف والاضطراب، ونشأت أجيال فتحت عيونها على صور الدمار، وعلى أخبار القتلى والنازحين، والمهجرين المنفيين قسراً إلى خارج أوطانهم وعلى مدن تتغير ملامحها، ومدارس تتعطل، وأسر تعيش في الضياع.
والسؤال هنا هو: ماذا يحدث داخل الإنسان الذي ينشأ وسط هذه المشاهد وما أثر ذلك على مستقبل الأطفال تحديداً؟ ومستقبل التعليم أيضاً؟
بحسب العديد من الدراسات والإحصائيات يواجه قطاع التعليم في مناطق الصراع،
ولا سيما في غزة وجنوب لبنان واليمن وليبيا والسودان، أزمة غير مسبوقة تهدد حق ملايين الأطفال في التعلم. فقد أدت الحروب وعمليات النزوح وتدمير البنى التحتية إلى تعطيل المدارس، والحال نفسه تقريباً في سوريا فمنذ عام 2011، تنوعت عوائق التعليم في سوريا بين تدمير المدارس واستخدامها لغير الأغراض التعليمية، والقصف والحصار والنزوح، وضياع سنوات دراسية كاملة.
وبحسب منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونيسكو» فإن نحو 45 مليون طفل في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يواجهون مخاطر متزايدة، في ظل تصاعد النزاعات وتفاقم الأزمات الإنسانية، ما ينعكس بشكل مباشر على أوضاعهم التعليمية والنفسية، ويضع مستقبلهم أمام تحديات غير مسبوقة.
لذلك يصح القول إن إعادة إعمار البلدان العربية التي طالتها مآسٍ وآثار الصراعات المدمرة على اختلاف مسمياتها لا ينبغي أن تقاس بعدد المباني التي ستقام فوق الأنقاض فقط، بل في عدد الأطفال الذين سيستعيدون حقهم في الطفولة، وعدد الشباب الذين سيحصلون على فرصة للتعليم والعمل، وعدد الأسر التي ستستعيد شعورها بالأمان والطمأنينة.
