الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

أوروبا وكندا وخفايا الشراكة

26 سبتمبر 2026 00:04 صباحًا | آخر تحديث: 26 سبتمبر 00:04 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
تتداعى أركان الغرب ويسير بخطى وئيدة نحو التراجع والانهيار، فبعد أكثر من سبعة عقود من الاستقرار والرفاه الاجتماعي، فإن الغرب اليوم ينازع من أجل البقاء كقوة عالمية مسيطرة.
بقراءة التاريخ، القديم والحديث، ندرك أن استقرار الغرب لم يكن يرتكز على وجود أسس ذاتية ثابتة، بل السبب يكمن في منطق القوة التي جعلت الغربيين، كمحتلين، يعيشون على حساب الدول الفقيرة فترة من الزمن، لكن عندما ظهرت قوى عالمية جديدة في العالم، لا سيما في الشرق، انكشف عوار العالم الغربي واتضح أن ثراءه كان مجرد وهم.
كان من نتائج ذلك اختلاف قوى الغرب في ما بينها، حيث ظهر الخلاف علناً مع مطالبات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من شركاء بلاده الغربيين بأن يدفعوا لبلاده نظير حمايتها لهم في إطار حلف شمال الأطلسي، وأيضاً فقد طالب ترامب بضم كندا وغرينلاند إلى بلاده، حيث ادعى أن كندا جزء من بلاده، أما غرينلاند فقد قال إنه بحاجة إليها من أجل مواجهة دول الشرق (روسيا والصين).
من المؤكد أن التراجع الاقتصادي الكبير الحاصل في الولايات المتحدة هو الذي دفع الإدارة الأمريكية إلى اتخاذ هذه المواقف، وإلى اتباع هذه السياسة التي تضرّ بالتحالف القائم بين شطري الأطلسي من جهة وبين الولايات المتحدة وكندا. فقد اكتشف الأوروبيون والكنديون أن أخاهم الأكبر (الولايات المتحدة)، قد قرر التهام ما لديهم من مقدرات، وقد انصاع الأوروبيون للمطالب الأمريكية، فوافق معظمهم على أن يدفعوا لحلف شمال الأطلسي المبالغ التي حددتها لهم الولايات المتحدة، التي تصل إلى 5% من ناتجهم القومي، كما أنهم سعوا إلى إرضاء الولايات المتحدة بخصوص جزيرة غرينلاند ذات الحكم الذاتي ضمن مملكة الدنمارك، حيث تم توقيع اتفاقية من شأنها أن تسمح بزيادة الوجود العسكري الأمريكي في غرينلاند. وقال الرئيس دونالد ترامب: «إن الاتفاقية تمنح الولايات المتحدة سيطرة دائمة على الأمن وجميع الاحتياجات الأخرى في ​غرينلاند»، ما يعني أن هذا الاتفاق يكرّس الحالة التي كانت موجودة من قبل، حيث أقامت الولايات المتحدة منذ خمسينيات القرن الماضي قاعدة للدفاع الجوي الصاروخي في بيتوفيك على الساحل الشمالي الغربي للجزيرة، وتتواجد في تلك القاعدة رادارات متقدمة، ومنصات للصواريخ العابرة والصواريخ الاعتراضية.
لكن مفهوم الأمن، وفق الاتفاق الجديد، قد يتوسع ليشمل الأمن الاقتصادي والغذائي للولايات المتحدة، والحصول على المعادن النادرة الموجودة فيها بكميات ضخمة. ومن جانبها فقد أعلنت بريطانيا بدء مفاوضات تجارية مع غرينلاند، وذلك غداة اجتماع القادة الأوروبيين - بمن فيهم رئيس الوزراء السابق كير ستارمر - في العاصمة الدنماركية، كوبنهاغن، لحضور قمة «المجتمع السياسي الأوروبي».
وإلى جانب المحادثات الرامية إلى خفض الرسوم الجمركية على واردات المأكولات البحرية، فقد صرحت بريطانيا بأنها ستسعى لتعزيز التعاون بشأن المعادن الحيوية، وإلى التعاون الوثيق مع الشركاء الأوروبيين، ولا سيما الدنمارك، من أجل إبرام اتفاقية تجارة المعادن بينها وبين غرينلاند، في مجال المعادن النادرة، لكن بعد الإعلان عن وضع الولايات المتحدة يدها أمنياً على تلك الجزيرة، فإن خطط بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي، للاستثمار في الجزيرة، سوف تضيع أدراج الرياح.
لعل ذلك قد دفع الاتحاد الأوروبي إلى التقارب الكبير مع كندا، فقد اقترحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، أن تصبح كندا أول «عضو شريك» في الاتحاد الأوروبي. وقالت في خطابها السنوي حول حالة الاتحاد: «نريد الارتقاء بالعلاقات مع كندا إلى أعلى مستوى ممكن، ولذا أود العمل معكم لبحث إمكان أن تصبح كندا أول عضو شريك في الاتحاد الأوروبي». وأضافت: «ننظر إلى العالم بعين واحدة: من الذكاء الاصطناعي إلى تغير المناخ، ومن القطب الشمالي إلى الجغرافيا السياسية»، داعية كندا والاتحاد الأوروبي إلى «بناء مستقبل مشترك».
ورغم أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد هدّد الاتحاد الأوروبي بتقليص التبادل التجاري معه، في حال مضى في اقتراحه القاضي بمنح كندا صفة أول «عضو شريك» في التكتُّل، لكن ذلك التهديد لن يوهن عزيمة الأوروبيين.
ولا تنص معاهدات الاتحاد الأوروبي قانوناً على صفة العضو الشريك، لكن ربما تعني تلك الصفة إقامة تحالف أوثق بين أوروبا وكندا، ومن خلفها بريطانيا التي كانت، قبل خروجها من ذلك الاتحاد تملك عضوية كاملة فيه، لكنها لم تدخل في العملة الأوروبية المشتركة، وبالتالي فإن عضويتها تلك كانت ناقصة بالنظر إلى شركائها الذين قبلوا بعملة اليورو المشتركة بديلاً عن عملاتهم الوطنية.
من دون شك، إن إشراك كندا في اجتماعات وتفاهمات دول أوروبا سوف يمنح بريطانيا القدرة على الدفاع عن المصالح المشتركة، خصوصاً في ما يتعلق بالموارد الاقتصادية الحيوية، وعلى رأسها العناصر الأرضية النادرة الموجودة بكميات كبيرة في جزيرة غرينلاند.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة