الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

المنصوري وتمكين المرأة في الشراكة المغربية ــ الصينية

11 أكتوبر 2026 00:05 صباحًا | آخر تحديث: 11 أكتوبر 00:07 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
في التاسع والعشرين من سبتمبر/ ايلول 2026، أصدر ملك المغرب محمد السادس قراره بتعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة لحكومة المملكة المغربية، لتكون أول امرأة تتبوأ هذا المنصب في تاريخ البلاد. ولم يكن الحدث عابراً في الأوساط النسائية العربية فحسب، بل تجاوزها إلى دوائر أبعد، إذ تابعته المنظمات النسائية الرسمية الصينية باهتمام لافت، وقرأته في إطار علاقاتها المتشابكة مع المغرب.
وكان الاتحاد النسائي الصيني، بوصفه أعلى مؤسسة نسائية في الصين ومعنية بقضايا المرأة، داخلها وخارجها، في مقدمة الجهات التي رحّبت بالتعيين، إلى جانب الاتحادات النسائية الصينية كافة. ولم يُقرأ هذا الترحيب بوصفه مجاملة دبلوماسية عابرة، بل في سياق أوسع من التعاون المؤسسي والتنموي بين البلدين، يمنح قضايا المرأة موقعاً في صميم الشراكة، لا على هامشها.
والمنصوري ليست اسماً طارئاً على العمل العام؛ فهي محامية مغربية، تولت رئاسة بلدية مراكش، وشغلت حقيبة وزارة الإسكان، ودرست القانون الأنغلوسكسوني في الولايات المتحدة، وقانون الأعمال في فرنسا.
وهذه الخلفية القانونية والإدارية المزدوجة هي ما ركّز عليه الإعلام الصيني في تغطيته للحدث، حيث وصفت منصات مثل «سي جي تي إن»، و«الصين بالعربية»، التعيين بأنه «حدث استثنائي»، و«تطور ديمقراطي ومؤسسي مهم»، ورأت فيه خطوة تكسر الصور النمطية السائدة عن المرأة في العالم العربي. وهي قراءة تنسجم مع ميل صيني عام إلى النظر إلى تولي النساء مواقع قيادية عليا في الدول الصديقة والشريكة، باعتباره تقدماً يدعم أهداف التنمية المستدامة.
غير أن ما يستحق التوقف ليس حجم الترحيب، بل طبيعة الخطاب الذي صيغ به. فالملاحظ أن الحدث المغربي صار نقطة التقاء بين ثلاث مدارس في فهم قضية المرأة: مدرسة صينية تنموية تربط تمكين المرأة بالنهضة الاقتصادية والقدرة على الإدارة، ومدرســة مغربيـــة حقوقيـــة هوياتية تستند إلى الفصل التاسع عشر من الدستور المغربي وما يقرره من مناصفة ومساواة، ومدرسة غربية مؤسسية تقيس التمكين بمعايير المشاركة في المؤسسات. واجتماع هذه المدارس في تجربة واحدة هو ما يجعل الحالة المغربية موضع عناية صينية خاصة.
فالصين تنظر إلى الشراكة مع المغرب من خلال مبادرة الحزام والطريق، بأبعادها التنموية والإنسانية معاً، ومن خلال «طريق الحرير الرقمي» الذي يفتح باباً للتعاون في التحول الرقمي. وإذا كانت هذه المبادرات تُفهم عادة بلغة الطرق والموانئ والاستثمار، فإن بُعدها الآخر المتعلق بالرابطة الشعبية بين الأمم، أي العلاقة الإنسانية المباشرة، يجد في ملف المرأة مادة خصبة. وتمكين المرأة هنا ليس بنداً اجتماعياً ملحقاً بالاتفاقيات، بل جسر من جسور التقارب التي لا تحتاج إلى بنية تحتية، ولا إلى موازنات ضخمة.
وفي الإقليم، لا يقف المغرب وحده في هذا المسار؛ فقد عيّنت الجزائر أول امرأة رئيسة لبرلمانها، ما يمنح الظاهرة بعداً مغاربياً لا فردياً. وهنا تكمن الدلالة الأهم: تراكم هذه التجارب في المنطقة العربية يشير إلى تحوّل في البنية السياسية، وهو أعمق من مجرد تعيين رمزي، إذ ينتقل السؤال من «هل يمكن أن تتولى المرأة المنصب؟»، إلى «ما الذي يترتب على توليها إياه؟».
وأمام هذا التطور، يبقى التحدي الأصعب بعيداً عن لحظة التعيين، وعن بيانات الترحيب. فالتمكين الحقيقي لا يُقاس بعدد الكراسي التي تشغلها النساء، بل بقدرة هذه المواقع على إنتاج سياسات ملموسة في التعليم، والصحة، والعمل، والعدالة الاجتماعية. وإذا كان النموذج المغربي الصيني موضع متابعة إقليمية ودولية، فإن معيار نجاحه لن يكون حجم التغطية الإعلامية، بل ما ستؤول إليه التجربة على الأرض.
ومن زاوية أوسع، يعكس هذا التقارب بين بكين والرباط في ملف المرأة تحولاً في أدوات النفوذ الدولية. فالقوى الصاعدة لم تعُد تكتفي بالاستثمار في الطرق والطاقة، بل تسعى إلى بناء شرعية ناعمة عبر ملفات الحقوق والتمكين، وهو مجال ظل لعقود محتكراً من الغرب. ويطرح ذلك سؤالاً مشروعاً: هل نحن أمام نموذج بديل لتمكين المرأة في الجنوب العالمي، أم أمام إعادة توظيف سياسي لملف حقوقي قديم؟
وأياً كان الجواب، فإن الحالة المغربية تقدم مثالاً جديراً بالتأمل في العلاقة بين القيادة النسائية والتحالفات الدولية. فالمنصوري سيُحكم عليها بما تحققه، للمغربيات والمغاربة، لا بما يُقال عنها في العواصم الأجنبية. وما بين الترحيب الصيني والدستور المغربي والانتظارات المحلية، يقف سؤال واحد لا يملك أحد أن يجيب عنه نيابة عنها: ما الذي سيتبدل فعلاً في حياة الناس؟

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة