لا يُختزل فن الخط في لوحات جمالية تشكيلية بصرية فقط، بل إن خط يد الإنسان يكشف عن جوانب نفسية عديدة في شخصيته، والخط أيضاً يدل على صاحبه ويحدّد ميوله وطبائعه ومزاجه، لا بل اعتمد علم النفس على قراءة خطوط ورسائل المرضى الذين يعانون اضطرابات عاطفية أو فكرية، وفعلاً، يتوصل الأطباء في هذا الحقل السيكولوجي إلى وضع حلول نفسية تساعد مرضاهم من خلال خط اليد، وقراءته العلمية والمختبرية..
في العادة يذهب العلماء في تلك الحالات النفسية إلى قراءة رسائل الأشخاص الذين يخضعون إلى مثل هذا العلاج، ويذهبون أيضاً إلى قراءة المذكرات أو اليوميات والاعترافات التي تتصل بالشخص الذي يخضع للعلاج، أما الاعترافات، أو الكتابة الاعترافية، إن جازت العبارة، فهي كنز علاجي بالنسبة للطبيب المُعالج، فالاعتراف يعني حقيقة المريض، ويعني البوح بما يتراكم في قيعانه النفسية، الأمر الذي يعني تحليل شخصية المعني بالعلاج من داخل نفسيته، ومرة ثانية عن طريق خط اليد البشرية.
هذا في ما يتصل بالخط من الناحية العلاجية النفسية، أما من الناحية الثقافية الجمالية، فلكل خط بشري شخصية وهوية وكينونة إبداعية، وهناك من يكتب أو يرسم خط كلماته بحروف كبيرة، وهناك من يخطّ بحروف صغيرة، هناك حروف حادّة، نافرة، صريحة، وهناك حروف هادئة، ساكنة، منسحبة إلى داخلها في الكلمة الواحدة.
هناك خطوط تشبه درب النمل، وهناك خطوط مثل صفّ حجارة صغيرة على رصيف، وهناك حرف علني عنيد وفيه طاقة من القسوة، في حين هناك خط مرن، ليّن، بل قد يكمننا وصف بعض خطوط اليد البشرية ب«الغنائية»، وبعض الخطوط قد توصف ب«العبثية» أو «الفوضوية»، وثمة خط بشري منظم، وَمُهَنْدَس، وَمُرَتَّبْ، في حين هناك خط عشوائي، سريع، ليس له وزن وليس له قافية، إن أمكن القول، قياساً على وزن الشعر العربي.
كل هذه التداعيات التشكيلية والبصرية تولد من يد الإنسان، ولأن ليس كل يد تشبه أخرى، فلذا، لا تتشابه الخطوط البشرية إلاّ في القليل من الحالات الكتابية، فهناك يد صغيرة، خفيفة، طرية، وهناك يد أخرى كبيرة، قاسية، يد استحواذية أو حتى «سلطوية»، وفي المقابل هناك يد سلمية أو مسالمة، يد بشرية قنوعة تكتفي بالقليل من الحبر والورق والأقلام، وثمة يد تمدّدية، تريد الكثير دائماً، وتقبض بقوّة على القلم، كأنما هو قوّة أو ثروة.
غير أن القلم هو بالفعل ثروة، ليس بالنسبة للخطّاط المهني الاحترافي فقط، بل القلم ثروة أيضاً للكاتب الأديب، الروائي، أو الشاعر، أو المسرحي أو الصحفي بشرط أن يكون الواحد من هؤلاء «القلميين» يمتلك الضمير النظيف الحيّ، وله يد لا تكتب بسوء، والأهم من ذلك، يد لا تحمل خنجراً أو مسدساً أو شوكة..
يَدٌ تصافح ولا تناطح، يَدٌ تسالم ولا تلاكم.
