مع الذكاء الاصطناعي نجد أنفسنا أمام تمثلات عدة، خاصة ونحن نتأمل في تلك التقنية فائقة الحداثة في علاقتها بالإبداع، فلا يزال هناك فريق يتحدث بشاعرية حول أن الإبداع ميزة إنسانية ولا يمكن للآلة أن تشعر أو تعبر عن أحاسيس أو تجارب، ولكن يبدو أن التقدم الذي يحققه هذا الذكاء يوماً تلو الآخر بصورة تجعلنا لا نستطيع التقاط الأنفاس قد تجاوز هذا الاستحقاق التاريخي للبشر، فمنذ عامين كنا نعد ملفاً عن الذكاء الاصطناعي في الخليج الثقافي وسألناه هل باستطاعته كتابة رواية فأجاب بأنه لا يمكنه إلا صياغة مقاطع قصيرة، وبمساعدة البشر فضلاً عن أنه لا يضمن جودة النص المنتج، الآن كررنا السؤال نفسه، فأجاب بأنه يستطيع كتابة رواية مكتملة الأركان من دون أي تدخل إنساني، هو لا يحتاج منك إلا اختيار الموضوع و«كبسة زر».
مع الذكاء الاصطناعي هناك تمثلات أخرى عدة، فالبعض يجهل الكثير عنه، والبعض الآخر الذي يعرف ويرفض التحولات التي سيؤدي إليها ويخاف من إعلان رأيه حتى لا يتهم بالجهل وأنه عدو العلم أو التقدم، والبعض لا تعنيه المسألة ويرى أننا نضخمها وأن لدينا من المشاكل والمسائل ما هو أهم لكي نفكر فيه، والبعض مغرم بنظريات المؤامرة ويشطح به الخيال إلى أبعد الحدود، والبعض يضع سيناريوهات: تبشرنا بالنعيم، كما ذهب إيلون ماسك مؤخراً، أو تنذرنا بالجحيم مثل أفلام الخيال العلمي التي تتحدث عن تمرد الروبوتات وهيمنتها على البشر.
مع الذكاء الاصطناعي نحن أمام عالم جديد وغامض في الوقت نفسه، وما يقدمه غداً سيختلف كثيراً عن ما هو عليه اليوم، هذا الغموض المصحوب بتمثلات لا نهاية لها هو ما يمنح الكثيرين رغبة في تناول الأمر بموضوعية ومناقشة المسألة من وجهة نظر تزن السلبيات مقابل الإيجابيات، ولكن هذه النظرة إلى الأمور إن كانت تجوز في العلوم فلا يمكن القبول بها في حقلين: التعليم والإبداع، فلا مانع عندما أدخل المستشفى أن يعالجني روبوت، أو أن أستخدم الذكاء الاصطناعي في الأنشطة الاقتصادية أو أركن إليه في بناء بيت أو قيادة سيارة، ولكن الكارثة تحل على الجميع عندما ندخله المدارس ونوظفه في الإبداع.
وحتى لا نبتعد عن التمثلات السابقة ولا نقع أسرى سيناريوهات مستقبلية عرضة للتغير اللحظي، لنعود إلى الماضي القريب، ونسأل أنفسنا هل ساعدت شبكة الإنترنت في الارتقاء بالمنتج الفكري والأدبي والفني؟ والإجابة يعرفها الجميع، فمنذ عقود ثلاثة مع الانتشار المذهل للشبكة وهذا المنتج في تراجع، ويبدو أن هناك علاقة عكسية بين الثقافة والتكنولوجيا، وهناك أسباب كثيرة تفسر الظاهرة، لا مجال لذكرها هنا، والحال نفسها مع التعليم، فالكثير من الحكومات الآن تفرض قيوداً على استخدام الهاتف الجوال في المدارس، إذن نحن جربنا زمن التكنولوجيا وخبرناها جيداً، ولا نحتاج إلى تكرار الدرس مع الذكاء الاصطناعي وإلا نكون كمن يصر على أن يحرث في البحر ولا يتعلم من أخطائه.
لا يمكن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في الإبداع بأي وجه من الوجوه، ولم تُحدث الإنترنت ثورة في البحث الفكري والمعرفي وحتى العلمي برغم ما أتاحته من ملايين المعلومات للباحث، فأهم الموسوعات والمعاجم والأطروحات الكبرى والأعمال الأدبية والفنية أنتجت في زمن شحت فيه المصادر وندرت، ولكنه زمن تحلى بالإرادة والخيال، ولم يكن الإنسان قد وقع أسيراً للتكنولوجيا، وهنا نحن لا نتحدث بشاعرية ولكن النتائج تقول ذلك.
الآن نحن أمام أربعة أنواع من البشر، هناك فئة لن تلجأ إلى الذكاء الاصطناعي بحكم العمر وعدم التمكن من أدواته أو التمسك بنزعة إنسانية ما، وهي فئة قليلة، وهناك من المبدعين من سيستخدمه في توفير معلومة أو تنسيق النص أو المساعدة في تقنيات الكتابة ولكنه سيصل إلى يوم يطلب منه أن يكتب له، لقد فقد هذا الشخص رويدا رويدا قدراته ولم يعد يستطيع الكتابة، ويبرر لنفسه ركونه إلى الذكاء الاصطناعي، عبر أسباب تدور في إطار الضعف الإنساني: هو متعب أو لا وقت لديه أو فقد الشغف، وهناك فئة من لا يملكون أية موهبة، وهم كانوا على الساحة دائماً، وهم الفئة الأكبر، والذكاء الاصطناعي بالنسبة لهم فرصة تاريخية، هذا فضلاً عن فئة رابعة سيغريها الذكاء الاصطناعي بدخول مجال الإبداع، كما حدث مع طفرة الكتابة نتيجة لصعود مواقع التواصل الاجتماعي ورغبة الجميع في الحكي و«الفضفضة» وتصورهم أن ذلك يسمى إبداعاً.
والنتيجة أننا سنجد أنفسنا أمام ملايين النصوص، قلة قليلة منها جيد وهامشي أمام هيمنة وسيادة السطحي والرديء، ومعظمها نصوص تعود إلى مصدر واحد، وفي الخلفية بشر توقفوا عن إعمال أهم ما منحهم الله إياه: العقل والخيال والإبداع.
