الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

روايات سكنت القلب

26 أكتوبر 2026 00:05 صباحًا | آخر تحديث: 26 أكتوبر 2026 00:05 صباحًا
دقائق القراءة - 3
شارك
share
في أحد أعماله الفكرية، أشار الروائي الإيطالي إمبرتو إيكو إلى القوة المذهلة للأدب، فكثيراً ما يدفع مشهد روائي متخيل قارئ ما إلى البكاء، وهو ما تعجز عنه في بعض الأحيان صورة إخبارية حقيقية مملوءة بتفاصيل مزعجة ومؤلمة، كان إيكو يتحدث عن سحر الأدب وما يستطيع أن يفعله في أرواحنا وما يحمله من أدوات تحفر في وجداننا، وعلى الرغم من أنها أدوات وهمية، فإن تأثيرها يفوق ما نتعرض له في الواقع، وهذا السحر وحده هو ما جعل بعض الروايات خالدة تعاد طباعتها لمئات المرات وتترجم لعشرات اللغات، وتفشل عندما يلخصها البعض أو يقتبسها في أعمال سينمائية، ويظل القراء يقبلون عليها في شكلها الأولي، يحفظون بعض مقاطعها، ويرددون أسماء أبطالها ويرسمون في خيالهم صور مدنها وشوارعها، أنها النسخة الأحدث من السير الشعبية، وإن كانت هذه الأخيرة صورت حياة الأبطال شبه الأسطوريين، فإن الرواية الكلاسيكية مجدت البشر العاديين وجعلت لحياتهم قيمة ورسالة ومعنى، وقد حفظ البشر لها الجميل فظلوا لقرون متتالية على شغف دائم بها.
لماذا نحب الرواية الكلاسيكية؟ وهو سؤال ناتج عن ظاهرة انتشار إعادة طباعتها بكثافة خلال السنوات الأخيرة، وربما يختزن سؤالاً آخر بصورة عابرة: ما هي الرواية الكلاسيكية على وجه التحديد؟ هل هي ذلك المنتج الروائي الذي انتشر في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين؟ هنا يواجهنا مسار زمني فضفاض، فهناك بعض الأعمال الكلاسيكية السابقة واللاحقة لهذه الفترة؛ بل إن هناك بعض الأعمال المنتجة الآن وتُصنف على أنها كلاسيكية، هل يعود المصطلح إلى شكل أو أسلوب معين في الكتابة؟ البعض يرفض إدخال طرائق السرد التجريبية والحديثة والفائقة الحداثة تحت مصطلح «كلاسيكي»، أي أن الرواية الكلاسيكية هي تلك التي تتسم بالسرد الخطي البسيط، وتهتم بفكرة البطل الواضح الملامح، لكن هناك بعض الأعمال الكلاسيكية كانت تتصف بسرد معقد وغامض.
ومع تحليل مصطلح الرواية الكلاسيكية، من مختلف مفاصلها، عبر وجهات النظر المختلفة نجد أنفسنا أمام مفهوم مراوغ، كلنا نعرفه، لكننا لا نستطيع تعريفه بدقة، وسنضطر إلى اللجوء لتعريفات أكثر مباشرة وبساطة، منها أن معظم مؤلفي الرواية الكلاسيكية هم نجوم الأدب في العالم، والتي يحفظ القراء أسمائهم وعلى شغف بتفاصيل حياتهم الخاصة، والقائمة تضم فيكتور هوغو وبلزاك و تولستوي وديستويفسكي وتشارلز ديكنز.. وغيرهم، وفي العالم العربي: نجيب محفوظ والطيب صالح وتوفيق الحكيم، على سبيل المثال، وهي الأسماء نفسها التي تعاد طباعة كتبها الآن، مصحوبة في كثير من الأحيان بكلمة «كلاسيكيات» بصورة بارزة على الغلاف.
نعود إلى السؤال لماذا نحب الرواية الكلاسيكية؟ ولماذا يقبل القراء عليها الآن؟ وكيف استطاعت أعمال صدرت منذ عقود طويلة التعبير عن آمال وأحلام بشر يعيشون في واقع مختلف تماماً؟ في كافة الروايات الكلاسيكية قبس من مقولة إيكو التي بدأنا بها، فهي تستطيع أن تحرك أحاسيسك، تضعها جانباً وتختبر في لحظات صفاء وتأمل مع ذاتك أحداثها ومشاعر أبطالها، ربما أفاضت دموعك أو لامست أحزانك، أو وهبتك قدراً من عزاء، أبطالها يشبهونك كثيراً على الرغم من اختلاف ظروفهم وزمنهم، ليس فيهم ملامح أسطورية خارقة تستعصي عليك، وليس فيهم خفة وسطحية تسود في زمن تكنولوجي يمحق الفرد، لكنها تتحدث عنك وعني وعن أزمات مجتمعاتنا وتطرح رؤى ثرية تتعلق بمختلف الطبقات، وكثيراً ما تدفع إلى السؤال وتثير شهيتك لكي تطرح الإجابات.
الرواية الكلاسيكية أكثر راهنية من الروايات المنتجة الآن، فالدرس الذي غاب عن الرواية التجريبية بكافة أشكالها في وقت لاحق، أن أزمات الإنسان واحدة في كل زمان ومكان، تختلف في الحدة والظهور، لكنها متشابهة إلى حد كبير، وأن القارئ يبحث أولاً، أو يشغف أولاً، بذلك الأدب الذي يلامس تلك الأزمات، ربما يقرأ على سبيل التنويع رواية غامضة أو ينسجم مع حدوتة غرائبية أو يتعاطف مع بطل «تافه» أو «سطحي»، لكنه لا يلبث أن يعود إلى قلبه.. إلى تلك الروايات الكلاسيكية التي كان ولا يزال موضعها جهة القلب.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة