الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

أسعار الوقود تُسرّع عصر السيارة الكهربائية

16 أكتوبر 2026 21:49 مساء | آخر تحديث: 16 أكتوبر 2026 21:49 مساء
دقائق القراءة - 3
شارك
share
كتبت مقالاً بعنوان «السيارات الكهربائية الصينية وأسعار النفط» في 22 سبتمبر 2024، تناولت فيه العلاقة المتزايدة بين الانتشار السريع للسيارات الكهربائية في الصين وبين مستقبل الطلب العالمي على النفط، وتساءلت آنذاك عما إذا كان التحول نحو السيارات الكهربائية يمكن أن يصبح أحد العوامل المؤثرة في أسواق الطاقة العالمية.
وبعد نحو عامين، يبدو أن السؤال أصبح أكثر إلحاحاً، ولكن من زاوية مختلفة: كيف يؤثر ارتفاع أسعار الوقود في الطلب على السيارات الكهربائية، وهل أصبحت السيارات الصينية تحديداً المستفيد الأكبر من هذا التحول؟
فارتفاع أسعار النفط لا يعني فقط ارتفاع تكلفة الطاقة بالنسبة للدول والشركات، وإنما ينعكس مباشرة على المستهلك الذي يدفع فاتورة الوقود بشكل متكرر. وكلما ارتفع سعر البنزين والديزل، أصبح المستهلك أكثر اهتماماً بتكلفة تشغيل السيارة على المدى الطويل، وليس بسعر شرائها فقط.
وهنا تبرز السيارة الكهربائية كخيار اقتصادي، وليس بيئياً فقط.
وتشير أحدث بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن مبيعات السيارات الكهربائية عالمياً تجاوزت 20 مليون سيارة في عام 2025، فيما تجاوزت مبيعات الصين وحدها 13 مليون سيارة، وأصبحت السيارات الكهربائية تمثل أكثر من نصف مبيعات السيارات الجديدة في السوق الصينية. كما أن انتشار السيارات الكهربائية في أوروبا وأسواق أخرى يواصل الارتفاع.
لكن التطور الأهم ليس في حجم السوق فقط، وإنما في تغير طبيعة المنافسة.
فالشركات الصينية لم تعد تقدم سيارات كهربائية مرتفعة السعر موجهة إلى فئة محدودة من المستهلكين، بل أصبحت تقدم نماذج متنوعة تجمع بين السعر المنافس والتكنولوجيا الحديثة والمدى الجيد للبطارية، وهو ما جعلها منافساً مباشراً للشركات العالمية الكبرى.
وتبرز شركة «بي واي دي» بصورة خاصة في هذا المجال، بعدما تحولت من شركة صينية متخصصة في السيارات الكهربائية إلى واحدة من كبرى شركات السيارات في العالم، مع توسع سريع في صادراتها إلى الأسواق الخارجية. كما أصبحت شركات صينية أخرى مثل Geely وSAIC وغيرها جزءاً أساسياً من المنافسة العالمية.
واللافت أن ارتفاع أسعار الوقود يمكن أن يمنح هذه الشركات دفعة إضافية.
فعندما يدفع المستهلك سعراً أعلى للبنزين، تصبح السيارة الكهربائية ذات التكلفة التشغيلية المنخفضة أكثر جاذبية، خصوصاً إذا كان سعر شرائها قريباً من سعر السيارة التقليدية. وهذه المعادلة تعني أن ارتفاع النفط قد يؤدي بصورة غير مباشرة إلى تسريع التحول نحو السيارات الكهربائية.
وهنا تبرز أهمية الصين مرة أخرى؛ فهي لا تملك فقط سوق السيارات الكهربائية الأكبر في العالم، وإنما تسيطر أيضاً على أجزاء مهمة من سلسلة إنتاج البطاريات ومكوناتها، ما يمنح شركاتها قدرة كبيرة على خفض التكلفة والاستجابة السريعة للطلب.
ولعل ما قاله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مؤخراً حول السيارات الصينية يعكس جانباً من هذا التحول، عندما أشار إلى قدرتها على تقديم سيارات جيدة وبأسعار منخفضة، في وقت تواجه فيه صناعة السيارات التقليدية في عدد من الدول ضغوطاً متزايدة.
لكن نجاح السيارات الصينية لا يعني أن الشركات العالمية الأخرى ستختفي من المشهد. بل على العكس، فإن المنافسة الحالية يجب أن تدفع شركات السيارات الأوروبية واليابانية والكورية والأمريكية إلى تسريع استثماراتها في السيارات الكهربائية والبطاريات والبرمجيات والذكاء الاصطناعي، والأهم خفض أسعار السيارات الكهربائية لتصبح في متناول شريحة أوسع من المستهلكين. فالمنافسة القادمة لن تكون فقط على من يصنع السيارة الأفضل، وإنما على من يستطيع أن يصنع السيارة الأفضل بسعر أقل وتكلفة تشغيل أدنى.
ومن زاوية أخرى، فإن هذا التحول يحمل دلالة مهمة بالنسبة لسوق النفط نفسه. فقد قدرت وكالة الطاقة الدولية أن السيارات الكهربائية حلت بالفعل محل ملايين البراميل من الطلب على النفط يومياً، ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم بصورة كبيرة خلال السنوات المقبلة مع استمرار نمو مبيعات السيارات الكهربائية.
وبذلك، فإن العلاقة بين النفط والسيارات الكهربائية أصبحت علاقة متبادلة: ارتفاع النفط يشجع المستهلك على التحول إلى الكهرباء، وانتشار السيارات الكهربائية يقلل بدوره الطلب على النفط.
وبعد عامين من مقالي السابق، يبدو أن التحول الذي كان آنذاك في بداياته أصبح اليوم واقعاً اقتصادياً وصناعياً. وربما يكون السؤال الأهم في السنوات المقبلة ليس ما إذا كانت السيارات الكهربائية ستنتشر، وإنما مدى سرعة انتشارها، ومن سيكون قادراً على قيادة هذه الصناعة عالمياً.
وفي هذا السباق، تبدو الصين حتى الآن في موقع متقدم، وعلى شركات السيارات الكبرى الأخرى أن تلحق بالركب قبل أن يتحول التفوق الصيني في السيارات الكهربائية من ميزة تنافسية إلى هيمنة عالمية يصعب تغييرها.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة