على عكس الكثير من التوقعات التي كانت تُشكّك في جدّية وعود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإدارته لرئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، عند زيارته لواشنطن في يوليو/ تموز الماضي، بالانسحاب العسكري الأمريكي الكامل من العراق، أعلن الرئيس ترامب أواخر الشهر المنصرم مغادرة آخر القوات الأمريكية العراق، واصفاً الحدث بأنه «يوم عظيم لأمريكا».
على الزيدي، بدوره، قال في بيان، إن «انتهاء مهمة التحالف الدولي لا يعني انتهاء معركتنا مع الإرهاب، بل هو انتقال العراق إلى مرحلة يتولى فيها المسؤولية الكاملة عن أمنه واستقراره». وبعد يومين، في اليوم الذي أعطوه اسم «يوم السيادة»، قال الزيدي في احتفالية كبيرة حضرها مسؤولون تنفيذيّون وتشريعيّون إن «العراق دولة تترسخ فيها مقومات السيادة السياسية، والاقتصادية، والأمنية»، وأوضح أن «السيادة التي استعادها العراق اليوم تتجسد في انسحاب القوات الأجنبية، وإنهاء مهمة التحالف الدولي في العراق بشكل تام».
إذا كانت هذه هي رؤى كل من الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء العراقي للانسحاب العسكري الأمريكي، فكيف سيؤثر هذا الانسحاب في المستقبل العراقي؟ وهل سيكون في مقدور الحكومة العراقية نزع أسلحة الفصائل العراقية المسلحة؟ وكيف ستؤثر الأجواء الضبابية لسيناريوهات انتهاء الحرب الإيرانية في مهمة نزع أسلحة الفصائل العراقية، بخاصة إذا خرجت إيران من هذه الحرب من دون الإصابة بانتكاسة تهدد مشروعها الإقليمي؟
في ظل ما يتردّد من معلومات شبه مؤكدة تقول إن الانسحاب العسكري الأمريكي ليس كاملاً، وإن هناك قوات أمريكية ومعدات عسكرية في السفارة الأمريكية، وإن الانسحاب العسكري ليس إلا انسحاباً شكلياً، وإن «الشراكة الاستراتيجية» الموقعة بين بغداد وواشنطن تعطي للولايات المتحدة قدرات هائلة، استخباراتية وأمنية واقتصادية، لاستمرار السيطرة والهيمنة، في ظل اتفاقيات فعلية موقعة بهذا الخصوص بين الطرفين.
أسئلة كثيرة تحكم الإجابة حول مستقبل العراق بعد الانسحاب الأمريكي، لكن يظل العامل الحاسم فيها هو حقيقة الموقفين الأمريكي والإيراني.
بالنسبة للولايات المتحدة، يصعب تصور حدوث أمرين، أولهما: إن الولايات المتحدة يمكن أن تفرط في العراق كمحور ارتكاز لنفوذها في مواجهة إيران، وصراع المشروعات الإقليمية المتضاربة في المنطقة في ظل تعثر تحقيق انتصار، عسكري أو سياسي، أمريكي ساحق على إيران، بمستوى ما يؤكده الرئيس الأمريكي دائماً، وهو: استسلام إيران. وثانيهما: استبعاد تخطيط الرئيس ترامب توظيف إعلان الانسحاب العسكري من العراق لخدمة المعركة الانتخابية الراهنة التي باتت «غير متوازنة» بين الحزب الديمقراطي المتفوق على حساب حزب الرئيس، أي الحزب الجمهوري في معركة التجديد النصفي للكونغرس التي ستجري بعد أقل من ثلاثة أسابيع فقط من الآن، على نحو ما يسعى ترامب لتوظيف اتفاقه مع الرئيس الروسي لتصدير كميات كبيرة من «الديزل» الروسي للولايات المتحدة وأوروبا، لإحداث انفراجة في الأسعار تخدم مرشحي الحزب الجمهوري الانتخابية.
تأكيد ذلك ظهر مبكراً في برقية تهنئة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو لرئيس الحكومة العراقية ب«يوم الاستقلال العراقي»، عقب اكتمال الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق، حيث تحدث عن لقاء الزيدي بالرئيس الأمريكي في البيت الأبيض الذي «عكس متانة الصداقة بين البلدين، والالتزام المشترك ببناء مستقبل قوي ومزدهر». كما أوضح روبيو في رسالته أن «الشراكات الاقتصادية التي أُعلن عنها خلال تلك الزيارة، تُجسد الإمكانات الواسعة للتعاون، التجاري والاستثماري، بين الشركات الأمريكية والعراقية». هذه الشراكات تتركز بالأساس على دخول شركات النفط الأمريكية للسوق الاستثماري النفطي العراقي، وفق تصور أمريكي يربط بين الاقتصاد والأمن.
وإذا كانت هناك معلومات صدرت على لسان مسؤولين أمريكيين تتحدث عن تركيز «البنتاغون» على الأردن كمرتكز لمواجهة أيّ تطورات تتهدد الأمن العراقي، بخاصة من تنظيم «داعش»، حيث يستطيع البنتاغون «استهداف المسلحين الذين يشكلون تهديداً للأفراد والمصالح الأمريكية»، فإن فصائل مسلحة عراقية، بخاصة «حركة النجباء»، تتحدث بجدية عن وجود قوات أمريكية متواجدة على الأراضي العراقية، سواء كانت في شكل شركات أمنية، أو مستشارين، أو غير ذلك، حيث دعت إلى ضرورة معاملة السفارة الأمريكية في بغداد كغيرها من السفارات، وإنهاء الهيمنة الأمريكية على اقتصاد العراق ومقدراته، وتحرير سماء العراق من طائراتهم المعتدية.
هذا التشكيك في جدية انتهاء النفوذ الأمريكي بالعراق يقابله حرص إيراني على فرض النفوذ، فإيران ترى من ناحية أن الانسحاب الأمريكي من العراق «انتصار» ل«محور المقاومة»، ومن ناحية أخرى، تطالب الفصائل العراقية الموالية لها ب«سيادة عراقية كاملة»، و«مغادرة واشنطن العراق بصورة نهائية»، وترفض استخدام الولايات المتحدة لسفارتها في بغداد لأغراض استخباراتية أو عسكرية، حيث تؤكد أن لديها معلومات عن وجود قوات قتالية داخل السفارة، وقواعد عسكرية.
بهذا المعنى، وفي ظل استمرار الصراع الأمريكي – الإيراني حول العراق، سيبقى مستقبل العراق بعد الانسحاب الأمريكي محفوفاً بالخطر، والتوتر، وتصاعد الصراعات، في ظل تعقّد مشاهد الحرب الأمريكية الراهنة على إيران.
