الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
أعمال تعيد صياغة علاقة اللون بالفراغ

ملتقى الشارقة للخط يعزف سيمفونية الحرف

17 أكتوبر 2026 00:35 صباحًا | آخر تحديث: 17 أكتوبر 2026 00:37 صباحًا
دقائق القراءة - 3
شارك
share
لوحة للفنان بلال مختار
لوحة للفنان بلال مختار
icon الخلاصة icon
ملتقى الشارقة للخط «ميزان»: تجارب عربية تمزج الحرف واللون والفراغ بنصوص دينية لخلق توازن بصري ودلالة روحية عميقة
امتزاج الخط واللون والتشكيل كان حاضراً في كثير من مشاركات الدورة الثانية عشرة من ملتقى الشارقة للخط التي تقام تحت شعار «ميزان»، حيث اخترنا ثلاثة مشاركات لثلاثة فنانين عرب استخدموا نصوصاً دينية في تجارب خطية وبصرية لافتة.
ينتقل الخطاطون في أعمالهم بالحرف من كونه علامة لغوية صرفة، إلى كونه بنية جمالية ودلالية متكاملة، فإذا كان الخط هو العمود الفقري الذي يمنح العمل الفني شكله وحركته وإيقاعه، بوصفه كائناً بصرياً يتشكل من كتلة وفراغ واستدارة ووحدة بنائية متكاملة، فإن استخدام الخطاطين للون جاء ليس بقصد التلوين الخارجي للخط، بل لإعادة صياغة معناه ودلالته، كما أن التشكيل الخطي عند الفنان يستخدم كهندسة خفية ناظمة للعلاقة بين الخط واللون والفراغ.
شارك الخطاط المصري د. بلال مختار بلوحة عنوانها (الصادقين) خطها من النص القرآني: «قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ، وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ» (الزمر 53-55). وقد جزأ الخطاط الآية في ثلاثة مستويات، كما خط هذه اللوحة بتنسيق لوني من الأسود والأخضر على خلفية فاتحة، وقد كتبها على ورق طبيعي مقهر، والآية ذات مضمون روحي عميق.
كان التشكيل الفني في عمل الخطاط بلال مختار، هو جوهر العمل البصري في هذه اللوحة، حيث خضعت الحروف المكونة للتشكيل الخطي لتنظيم واع ومدروس، وفق مبادئ جمالية تراعي مجمل ما تتطلبه اللوحة الفنية من توازن، وإيقاع، وتكوين فني، ومن جهة أخرى، فقد نجح الخطاط بلال مختار في أن يحول المنظور الفني إلى نص بصري قادر على التعبير والإيحاء، من خلال توزيعات الخط واللون والفراغ والزخرفة.
توزعت الآية الكريمة على ثلاثة مستويات مختلفة الحجم والشكل، وأهم ما يميز هذه اللوحة هو تداخل الحروف وانسيابها، وسط أرضية بلون البيج، حرصاً من الفنان على التوازن الفني كمفردة أساسية في التشكيل الخطي.
اللوحة التي أمامنا تعد نموذجاً فنياً متكاملاً للتشكيل الفني الإسلامي في علاقته مع فن الخط وتداخله أو تضافره مع عناصر أساسية أخرى كاللون والكتلة وتوزيع المساحات على سطح اللوحة.

تنسيق

أما الخطاطة الإماراتية هاجر الكثيري فاختارت جزءاً من الآية القرآنية «وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (التحريم-11)، وهذا الجزء هو«رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ».
ونسقت الخطاطة هاجر الكثيري لوحتها الفنية بوضع النص الديني داخل مستطيل وحرصت على تلوين النص باللون الأصفر، وقد أسندت هذا التشكيل الخطي بلونه الأصفر داخل مستطيل، استند بدوره إلى تشكيل زخرفي يغلب عليه اللون البني.
هذا البناء المحكوم بتشكيل مدروس لبنية الخط، معززاً باختيار الألوان من امتزاج البني مع الأصفر، يمنح اللوحة صورة بصرية متوازنة من الناحية التعبيرية والنفسية، وهي صورة ترشد إلى معنى الآية التي توحي بالاطمئنان في ظلال الجنة، فهو تشكيل مدروس من الفنانة هاجر الكثيري، التي استطاعت ببراعة أن تمثل لمعاني اللون تشكيلياً بالتناغم مع دلالة النص الديني وقوته في الاستقرار والأمان والرخاء.

قوة ووضوح

من جانبه قدم الخطاط السوري أحمد البشير لوحة خطها من الآيات القرآنية: «فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ، وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ» (القارعة-6).
نفذ الخطاط البشير المعنى القرآني مفرقاً بين رجحان كفة الحسنات، على كفة السيئات، بأن جعل رجحان الكفة في«ثقلت موازينه» في الأعلى أما مقابلها في«خفت موازينه» فجعلها في الأسفل، وقد جاء هذا التشكيل الفني المدهش باللون البني، ليضيء أحمد البشير من خلاله على قوة ووضوح الآيات الكريمات، فهو قد حدد الكتلة لتشغل مساحة كبيرة من عمله الفني.
كما أن تصميم الخلفية الفاتحة كأرضية للون البني تمنح اللوحة عمقاً بصرياً، وتوازناً مثالياً، يسهم في إبراز تفاصيل اللون البني، وجعله أكثر دفئاً وحيوية، كما تمنح الخلفية الفاتحة المنظور الفني للوحة وضوحاً يجعله يتصدر اللوحة، ويلعب دوراً آخر في الإضاءة ومنح اللوحة لمسة من الإشراق والاتساع.
لقد لعبت هذه التجارب الفنية الثلاثة دوراً أساسياً في الإضاءة على عمق التجربة الخطية والتشكيلية من تآلف الحرف واللون في فضاء الإبداع، من خلال وحدة بنائية متكاملة من توزيع الكتل الكثيفة وما جاورها من فراغ، ما يمنح اللوحة حيوية وحركة، وعندما تجتمع هذه العناصر كلها، تقع عين المشاهد على نص بصري بوحدة عضوية متكاملة، تمنح عين ووجدان المتلقي شحنة قوية تتجسد في أعماقه من جلال النص الديني وقوته الروحية والفكرية.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة