تضع المنصات الرقمية وأدوات الذكاء الاصطناعي، تحديات صعبة أمام الوالدين، إذ أصبح السؤال الأكثر تداولاً هو: من يملك التأثير الأكبر في تشكيل شخصية أبنائنا اليوم؟ فلم تعد تربية الأطفال والمراهقين مسؤولية الأسرة وحدها، كون الساعات الطويلة التي يقضونها أمام الشاشات، تجعلهم يتأثرون بمحتوى يحمل تفاصيل وأفكاراً واهتمامات وذكاء اصطناعياً بات حاضراً في الدراسة والعلاقات والسلوكيات واتخاذ القرارات المهمة. في السطور التالية نطرح القضية للمناقشة مع متخصصين وأولياء أمور.
تقول منال عبد الرحيم: «المنصات الرقمية لم تعد مجرد وسائل للترفيه، بل أصبحت تؤثر في أفكار الأطفال والمراهقين وقيمهم وسلوكياتهم وطريقة رؤيتهم لأنفسهم وللعالم، وعلى الرغم من تأثيرها الإيجابي من خلال المحتوى التعليمي والإبداعي، فإن هناك العديد من المعلومات المضللة، والسلوكيات غير المناسبة، ولذا يجب بناء الوعي الرقمي، وتعزيز الحوار الأسري، ليستطيع الأبناء تصفية لكل ما يُعرض عليهم».
تضيف منال عبدالرحيم: «الذكاء الاصطناعي أداة متاحة للآباء والأبناء للحصول على المعلومات والمشورة في التربية والعلاقات والدراسة والقرارات الشخصية، إلا أن البعض يستخدمونه بالخطأ كبديل عن الإنسان، كونه لا يعيش تفاصيل الأسرة ولا يفهم المشاعر والسياق الإنساني مثل الوالدين، ولذلك من المهم الاستعانة بالمختصين عندما تكون القرارات مهمة ومؤثرة في حياة أبنائنا».
معلومات مُضللة
ترى كريمة مكرم، أن التأثير السلبي للمنصات أكثر من الإيجابي، إذ يحتوي على العديد من المعلومات المُضللة، ووجهات نظر عامة لا تمس للواقع بصلة، ومن غير الصحيح أن يتم تطبيقها بشكل عشوائي، خاصة أن لكل طفل شخصية وقدرات مختلفة وبالتالي يحتاج إلى تخصيص أسلوب محدد في التربية بحسب طبيعته والسمات والمهارات والمميزات والعيوب، والتي لن يُدركها ويُقيمها إلا الوالدين أو المدرسين وليست المنصات.
وتضيف: يمكن الاستفادة من المنصات بتعزيز الاطلاع على كل ما يخص التربية، والاستعانة بخبرات الأجداد، وتجنب التقليد الأعمى أو تطبيق النظريات والنصائح التربوية من المؤثرين، واستبدالها بالاستخدام الإيجابي للمنصات عن طريق اجتماع أفراد الأسرة لمشاهدة محتوى مفيد، ومشاركة الآراء والاهتمامات والأفكار لاستكشاف مسارات متنوعة للتعلم وبناء الشخصية.
خمول وكسل
تشير د. بسمة فؤاد إلى أن تأثير المنصات الرقمية يعتمد على المحتوي، فهناك ما يغذي الإبداع ويعزز النشاط والرياضة أو يزيد من الشعور بالملل والخمول والكسل، ويعتمد ذلك بشكل كبير على الأهل، إذ يتعين عليهم مراجعة كل التطبيقات قبل تثبيتها على الأجهزة الإلكترونية والسماح باستخدامها، والمتابعة المستمرة وتقديم النصائح والقيم العائلية، حتى لا يصبحوا في حيرة بين العالمين الواقعي والافتراضي.
وتضيف: يمكن استشارة الذكاء الاصطناعي في العمل لتقليل الوقت في المهام الروتينية ومراجعة الأعمال وصقلها بصورة احترافية، لكن في مجال تربية الأبناء لا يصح إلا الصحيح، إذ يجب في هذه الحالات مراجعة المتخصصين الذين لهم نفس الفكر التربوي والقيم والمبادئ، وليس الذكاء الاصطناعي الذي لا يعرف ظروف العائلة والمشاعر الحقيقية للأسرة.
أفكار وسلوكيات
تلفت نمارق الهادي إلى أن المنصات الرقمية باتت شريكاً مؤثراً في تشكيل وعي الأطفال والمراهقين، كونها مصدراً للتعلم والإبداع وتُسهم في تكوين اللغة والذوق والقيم والصورة التي يكونها الشاب عن نفسه وعن الآخرين، وتكمن الخطورة في تعزيز بعض الأفكار والسلوكيات دون وعي أو قدرة كافية على التحقق، ولذلك يجب الحرص على الرقابة الواعية، والحوار الأسري، وحماية الأبناء بتعليمهم مهارات التفكير النقدي والاستخدام الآمن للمنصات.
وتوضح أن الذكاء الاصطناعي أداة مفيدة للآباء والأبناء في التربية والدراسة وترتيب الخيارات عند اتخاذ القرارات الشخصية، كونه يوفر سرعة الوصول إلى المعلومات، ويقترح أفكاراً وحلولاً متعددة، إلا أن احتمالية الخطأ موجودة بنسبة كبيرة وخاصة عندما يتحول من أداة مساعدة إلى بديل عن الخبرة الإنسانية، كما تبرز قضايا الخصوصية وحماية بيانات الأطفال، ولذلك يجب الحرص على أن يكون يبقى القرار النهائي مسؤولية الإنسان، لا الآلة.
الحوار المباشر
د.محمد عصام محو خبير ومطور للكوادر البشرية يقول: «تجاوزنا مرحلة اعتبار المنصات الرقمية وغيرها مجرد وسائل للترفيه، فقد أصبحت شريكاً في تشكيل وعي الطفل والمراهق، وأحياناً تقضي معهم وقتاً أطول من المعلم أو حتى الوالدان في الحوار المباشر معهم».
ويتابع: تأثيرها لا يقتصر على المعلومات، بل يمتد إلى تشكيل الذوق واللغة والصورة الذاتية والطموحات، وحتى مفهوم النجاح والجمال والعلاقات. والمشكلة أن ما يصل إلى الطفل لا يختاره دائماً هو، بل تختاره له الخوارزميات بناء على ما يجذب انتباهه ويجعله يبقى أطول وقت ممكن. لذلك أرى أن التحدي اليوم ليس في منع الأطفال من هذه المنصات، فهذا أصبح شبه مستحيل، وإنما في بناء وعي رقمي يجعل الطفل قادراً على السؤال والنقد والتمييز، مع حضور حقيقي للأسرة.
ويضيف: تطور الذكاء الاصطناعي زاد من حساسية القضية، لأنه لا يقدّم محتوى فقط، بل يحاور الطفل أو الأب ويستمع إليه ويقترح عليه حلولاً وقرارات، ما يجعله قادراً على أن يصبح مساعداً مهماً جداً في التعليم والتربية، يشرح، ويبسط، ويساعد الأهل على فهم بعض المواقف، ويفتح أمام الأبناء طرقاً جديدة للتعلم والتفكير.
ويشير إلى أن الخطورة تبدأ عندما يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة للاستشارة إلى بديل عن الإنسان، فلا ينبغي أن يربي الطفل، أو يكون المرجع الوحيد الذي يستشيره المراهق في علاقاته وقراراته الشخصية، فهو لا يعرف الأسرة وظروفهما كما يعرفها الإنسان، وقد يخطئ أو يقدم إجابة تبدو مقنعة وهي غير مناسبة للحالة.