يُطلق مصطلح «أطفال الثقافة الثالثة» على أولئك الصغار الذين ولدوا ونشؤوا وهم يحملون ثقافات متعددة في زمن الغربة والارتحال والهجرة؛ الزمن الذي صنع نوعاً من التشظي الوجداني في الهوية، فالثقافة الأولى هي الأصلية التي ينتمي إليها الوالدان اللذان هاجرا من بلادهما لظروف مختلفة، والثانية هي ثقافة البلد المضيف الذي نشأ فيه الطفل، أما الثالثة فهي تلك «الثقافة الهجينة» التي تتشكل من تفاصيل عيش المهاجرين والمغتربين.
«من أين أنت؟» سؤال بسيط ربما لا يتردد أحد في الإجابة عنه، لكنه يمثل امتحاناً وتحدياً حقيقياً بالنسبة لأطفال الثقافة الثالثة، فعندما يُطرح على أحدهم هذا السؤال، تحلق في أفقه حيرة بالغة تحول دون إعطاء إجابة واضحة، ما يعكس حجم الثقل النفسي لشخص ينتمي إلى أكثر من عالم، فالإجابة نفسها تتطلب شرحاً وسرداً لتاريخ العائلة منذ أن غادرت الوطن الأم إلى بلاد المهجر، وهذا الارتباك يخلّف تشتتاً لطفل لا يعرف هويته بدقة.
ويعود نحت هذا المصطلح إلى اثنين من أبرز علماء الاجتماع في أمريكا في خمسينيات القرن الماضي، وهما: جون أوزيم وروث هيل، عندما لاحظا أن أطفال عائلات المــهاجرين يعيشون نمطاً حــياتياً يصنــع هوية جديدة، لا تنتــمي إلى الأصل الذي جاؤوا منه ولا إلى البلد الذي يعيــشون فيــه؛ إذ يشكلون من خلال علاقاتهم المتبادلة ثقافة مستقلة عابرة للحدود والجنسيات.
ينتاب هؤلاء الأطفال نوع من الحنين الغامض إلى بلدهم الأصلي الذي لا يعرفونه إلا من خلال حكايات تروى لهم عنه، فهم يشتاقون إلى مكان لا يدرون عنه شيئاً كبيراً، لكنهم يرثون هذا الشغف من الآباء والأمهات عبر القصص والمواقف والأغاني والأشعار، وربما الأطعمة التي تصر الأمهات على طهيها كشكل أخير من أشكال التشبث بهوية أضحت في طريقها إلى الذوبان داخل العالم الجديد.
وتكمن الفجيعة عند هؤلاء الأطفال في لحظة عودتهم إلى الوطن الأم عندما يكبرون، زائرين لا مستقرين، غير أن فرحة العودة تلك سرعان ما تخبو شيئاً فشيئاً؛ إذ سيشعرون في دواخلهم بأنهم غرباء عن هذه البلاد، وعن وقائعها اليومية وتفاصيلها الحياتية، ولعل هذا الاغتراب المزدوج هو الذي أنتج تسمية «الثقافة الثالثة»؛ إذ باتوا لا ينتمون حقاً إلا لمن يشبهونهم في هذه التجربة الاستثنائية الحزينة.
وربما يكمن العزاء بالنسبة لهؤلاء الأطفال في أنهم من سيعيد تعريف مفهوم الانتماء وتفكيكه من جديد، فقد تحرروا من قيد الجغرافيا والتراب، وتجولوا في العالم بأسره داخل فضاءات أرحب من أي انتماء ضيق، فهم يتمتعون بذكاء ثقافي، ومرونة روحية ونفسية، وقدرة مغايرة على بناء الجسور والتقارب مع بعضهم في عالم منقسم.
