عندما كتب الكاتب الأرجنتيني كارلوس ماريا دومينغيث في روايته «بيت الورق» أن التخلص من الكتب يصبح أصعب من الحصول عليها وضع إصبعه على جرح يعرفه كل قارئ حقيقي قضى عمره يجمع الكتب ويبني بها رفوف مكتبته وحياته.
وتحكي رواية «بيت الورق» عن رجل جمع من الكتب ما ضاق به بيته وحياته. وحين أراد الخلاص منها لم يستطع رميها ولا بيعها ولا إحراقها، فحملها إلى شاطئ بعيد وبنى بها بيتاً، وجعلها جدراناً يسكن داخلها. قد تبدو الحكاية غريبة أو مزيجاً من الخيال الفنتازي لكنها حكايتنا جميعاً. فكلنا، نحن القراء النهمين والشغوفين بالكتب، بطريقة أو بأخرى، نسكن بيوتاً من ورق.
نحن نشتري الكتاب في لحظة فضول ورغبة في قراءة ما يحتويه وقد يغرينا غلاف أنيق أو توصية صديق لكن التخلي عنه لا يتم بسهولة لأن الكتاب الذي قرأناه لم يعد هو الكتاب الذي اشتريناه وصار يحمل شيئاً منا، فكأنا نمسك نسخة سابقة من أنفسنا، نتذكر من كنا حين قرأناه، وأين كنا، وما الذي كنا نبحث عنه، ولهذا لا نستطيع التخلص منه كما لا نستطيع التخلص من مشاعرنا وذاكرتنا.
وهكذا تصبح المكتبة سيرة ذاتية لنا، فنحن نعيش مع الكتب حتى تصير جزءاً من أجسادنا وأقدارنا وإن كنا نظن أننا نملكها فالحقيقة أنها تملكنا أكثر.
لقد قال المتنبي إن خير جليس في الزمان كتاب لأن الجليس لا يرمى ولا يباع وتصعب مفارقته. ورغم أن التخلص من الكتب الرقمية يبدو أسهل اليوم من أي وقت مضى لكن هذه السهولة نفسها تكشف ما نخسره. فالكتاب الورقي يقاوم الحذف لأن له جسداً، والجسد يحمل الروح التي يصعب محو أثرها، أما الكتاب الذي يمحى بلمسة، فقلما يترك فينا أثراً يستحق أن نتردد قبل محوه.
وربما لا يكون الحل أن نتخلص من الكتب، بل أن نعيد لها حياتها، فالكتاب الذي لم نعد نحتاجه قد ينتظره قارئ آخر. وحين نهديه لا نفقده، بل نمد عمره ونتركه يواصل رحلته من يد إلى يد، حاملاً خطوطنا وهوامشنا إلى قارئ لا نعرفه، فيصير جزءاً من سيرته كما كان جزءاً من سيرتنا.
إن التخلي عن الكتب التي صنعتنا أصعب من كل شيء لأنه لا ينبغي أن نتخلى عنها أصلاً، فهي ليست على الرفوف فقط بل هي الجدران التي بنينا بها أنفسنا من الداخل، حتى صرنا، دون أن ندري، نسكن بيوتاً من ورق.
