الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

القراءة ووجع الرأس

19 أكتوبر 2026 00:52 صباحًا | آخر تحديث: 19 أكتوبر 2026 00:54 صباحًا
دقائق القراءة - 3
شارك
share
إذا سألنا أي قارئ كبير «حزين» عن رؤيته للقراءة، فسيحدثنا بحماس وشغف عن طقوسها وما تفعله في الوعي والإدراك وما تحدثه من تراكم وما تحفره في الروح، سيكلمنا بشاعرية عن ملمس الورق وعن طرق انتقال الكلمة والمعنى من العين إلى العقل، وسيتناول القراءة بلغة العاشق، يخرج الكلام من قلبه، ولكن بلهجة حزينة، والحزن هنا مضاعف، ففئة القراء الكبار الآن، موجودة، ولكنها على وشك الانقراض، والقراءة نفسها موجودة وربما تكون مزدهرة ولكنه ازدهار من نوع آخر، ازدهار الكم لا الكيف، الازدهار السريع العابر والوظيفي لا الجمالي أو الذي يؤثر، الازدهار الذي نترجمه في أهداف عملية وليس في إبداع.
لنترك القارئ الكبير لماضيه الذي يحن إليه، وندعه في أحزانه، ولنسأل أنفسنا السؤال البسيط للغاية، وربما البديهي والذي لا يطرحه أحد، لماذا كانت القراءة دوماً ضرورية؟، كانت القراءة ضرورية لصناع القرار في مختلف بلدان العالم لمعرفة ما يدور في الساحة الداخلية والدولية، للاطلاع على دروس الماضي ومقاربة المستقبل، وكلها مفاصل كانت تستدعي قراءً كباراً ممن كانوا على صلة وثيقة بصناع القرار والمراكز البحثية والعلمية.
كانت القراءة سلطة في أزمنة الأفكار الكبرى، إذ كان العالم نفسه ينقسم إلى معسكرين متقابلين، بل ونستطيع أن نتمثل كل معسكر منهما في مجموعة من الكتب: «1984» و«مزرعة الحيوان» لجورج أورويل في أيدي المعسكر الغربي في مقابل «غاتسبي العظيم» لسكوت فيتزجيرالد و«عناقيد الغضب» لجون شتاينبك في حوزة الطرف المقابل، ولم تحدث بينهما يوماً مواجهة مصيرية، وإنما كانت غالباً حرب أفكار، وصراع كلمات، والسلاح كان القراءة.
كانت القراءة بوابة التنوير الكبرى، التي من خلالها ارتقى الإنسان بعقله، وتخلص من الخرافات، واستطاع أن يؤسس الحداثة ويجعل من نفسه مركزاً للعالم، وكانت في بلدان أخرى أهم خطوة في طريق النهضة، فسؤال: كيف ننهض من سباتنا ونلحق بالعالم ونجد مكاننا المستحق؟ استدعى آلاف القراء الذين حملوا الكتب بوصفها طوق النجاة وطريقاً وحيداً نحو التقدم.
كانت القراءة ضرورة وجودية لكل من يريد أن يكتب، فلا يمكن لأحدهم أن يخوض مغامرة قصيدة أو رواية أو فكرة، من دون خزين ضخم من القراءة، كانت كل كتابة جديدة عملية غربلة طويلة ومضنية لما قرأه المبدع وهضمه وأضاف إليه.
لم تكن القراءة هي الوسيلة الأبرز وراء ازدهار كافة المشاهد السابقة، ولكنها كانت الصانعة لها أيضاً، بمعنى أنها كانت في المحصلة النهائية هي من رسمت القرار لأصحابه، ومن خططت الأيديولوجيات، ومن دفعت بالتنوير إلى الأمام، ومن نهضت بالشعوب المتطلعة إلى حياة أفضل، ومن صقل الإبداع وأكسبه قوة، كانت السلطة الأولى والأكثر نفوذاً وتأثيراً.
بعيداً عن تلك الأبنية الكبرى، فإننا أينما وجهنا البوصلة وجدنا أثراً من قراءة، مشهد طفل حزين وفقير يفتش عن الطعام في وسط القمامة صورة قرآناها في الآداب الكبرى، أما تعقيدات النفس الإنسانية وتشابكاتها ووجود أمكنة مخبوءة لا نستطيع الوصول إليها فصورة أخرى برع فيها شعراء وروائيون عظام، حتى أن نقرأ للترفيه والتسلية وتزجية أوقات الفراغ كان سلوكاً ضرورياً في وقت ما.
الآن انقلب العالم تماماً، لم يعد صانع القرار في حاجة إلا لمعلومات واضحة ومباشرة، وليس هناك من أفكار تتصارع، وكشفت الوسائل التقنية الحديثة طبيعة مختلف المجتمعات، وانتفت الحاجة إلى التحليل والتنظير والتوقع، لقد انتهت الأيديولوجيات، وبات التنوير والنهضة من الماضي، والإبداع تولاه الذكاء الاصطناعي، وليس هناك من داعٍ لأي جهد أو تعلم أو معاناة، وهناك من ينظّرون الآن للقضاء على أي مقاومة إنسانية لذلك الذكاء، وأصبحت الكاميرا هي من تصور المشاهد البائسة التي تتحول إلى «ترند»، أما بشر الراهن فهم إلى التسطيح أقرب، ولا يشغلهم إلا التافه والمباشر والمعلب، وهناك وسائل عدة نستخدمها لكي نملأ أوقات فراغنا، فلماذا إذن القراءة ووجع الرأس؟.
انقلب العالم، وتغير كل شيء، وتغيرت طبيعتنا أيضاً، فلماذا نتوقع أن تبقى القراءة على حالها؟.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة