الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الشعبوية والديمقراطية في زمن الأزمات

20 أكتوبر 2026 00:07 صباحًا | آخر تحديث: 20 أكتوبر 2026 00:07 صباحًا
دقائق القراءة - 3
شارك
share
مع تصاعد وتمدد التيارات الشعبوية عبر العالم، يتجدّد طرح السؤال حول: ما إذا كان ذلك يشكل مؤشراً وتعبيراً عن أزمة الديمقراطية بصورها المختلفة، أم مجرد ردود فعل مرحلية تفرضها الممارسات الديمقراطية باعتبارها آلية لتدبير التنوع المجتمعي والتداول على السلطة بشكل سلمي؟
تحيل الشعبوية إلى تيارات، واتجاهات فكرية وممارسات اجتماعية، وخطابات غالباً ما تحيل إلى الديماغوجية، وهي تقوم على الانتقاص من قيمة الفكر والعلم داخل المجتمع، في مقابل التركيز على الخطابات السطحية والأفكار الخرافية، في سياق حشد الجماهير بناء على ثنائية الخير والشر، والنقاوة والفساد.. حيث يقدم «الشعبويون» أنفسهم كمنقذين من الأزمات والمعضلات المختلفة، وعلى عكس بعض التيارات، كالليبرالية والاشتراكية، تفتقر الشعبوية إلى أساس نظري متجانس، فكرياً وسياسياً واقتصادياً.
وفي الوقت الذي يعتبرها البعض بمثابة حركات احتجاجية ضد الإكراهات والمشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية تدعم توسيع دائرة المشاركة السياسية وتعزّز التواصل بأساليب بسيطة، يرى فيها آخرون مجرّد أصوات مرحلية تحرّكها ردود الفعل، تبرز إبان الأزمات، وتكرس شخصنة الأحزاب السياسية، وتفرغ العمل المؤسساتي من أهميته.
يمتد ظهور الشعبوية إلى عصور قديمة؛ مع صعود الديماغوجيين بعد انتكاس الديمقراطية اليونانية، ومع حزب الشعب الأمريكي 1892 الذي برز مع تطور الرأسمالية، وتراجع الحزبين الديمقراطي والجمهوري آنذاك، وبعد الحرب العالمية الأولى، وأجوائها المحبطة التي مهدت المناخ لبروز قيادات شعبوية ديكتاتورية كـ«هتلر» في ألمانيا، و«موسوليني» في إيطاليا، و«فرانكو» في إسبانيا، قبل أن تظهر في دول أمريكا اللاتينية خلال ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي، مع الزعيمين خوان بيرون في الأرجنتين، وجيتوليو فارجاس، في البرازيل.
وفي العقود الثلاثة الأخيرة، تنامى ظهور وانتشار الشعبوية في أوروبا وأمريكا، مع عجز الأحزاب التقليدية عن تقديم حلول مقنعة لعدد من المشكلات المطروحة، كالهجرة، والأزمات الماليــة المتلاحقة، وتوحش الليبراليــة، أو بلورة تواصل سياسي مواكب للتحولات الثقافية والاقتصادية والسياسية التي شهدتها هذه المجتمعات.
إن تمدد هذه التيارات على المستويات الوطنية والدولية، يعكس تراجع الثقة بأداء النخب السياسية التقليدية، حيث فسر البعض التصويت المكثف على هذه التيارات بمثابة ردّة فعل عقابية ضد الأحزاب التقليدية التي لم تجدّد نفسها؛ ولم تواكب انتظارات المجتمع، ولم تطور خطاباتها. على المستوى العربي، برزت خطابات شعبوية، خلال العقدين الأخيرين، مستثمرة الإمكانات التي يوفرها التطور الرقمي، وكذا هامش الحرية الذي أتاحته شبكات التواصل الاجتماعي، والحراك الذي تفجّر في عدد من دول المنطقة، ما فتح الفرص لإطلاق خطابات دينية وأخلاقية لكسب تعاطف الجماهير، وصلت أحياناً إلى حدّ طرح حلول أخلاقية وسطحية لمعضلات وأزمات، اقتصادية واجتماعية وسياسية.
إن التجييش الذي تعتمده التيارات الشعبوية يمكن أن يدفع الجماهير إلى اتخاذ مواقف وخيارات ضد مصالحها أحياناً، وتساهم في ضياع الكثير من المكتسبات المحققة في هذا الخصوص. ولذلك، فهي تمثل خطراً على الممارسة الديمقراطية؛ بما تنطوي عليه من تشاركية، وتدبير للاختلافات.
إن محاصرة الخطابات الشعبوية هي مهمة جماعية، تتحمل فيها الأحزاب السياسية مسؤولية مهمة، في ما يتعلق بإعادة الاعتبار للعمل الحزبي، وتبنّي الديمقراطية الداخلية التي تتيح الحضور المستمر في عمق المجتمع.
وهي مهمة تسائل الدولة أيضاً، وبخاصة في ما يتعلق بتطوير المشهد الإعلامي (العمومي والمستقل)، وإرساء تواصل بنّاء يضيق الخناق على التيارات الشعبوية، ومواجهة الفساد في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتقليص الفوارق الاجتماعية، واعتماد الصرامة في مواجهة الجرائم الرقمية التي تكرس الابتذال، والتفاهة، وتسطح الوعي، وتنشر الإشاعات والأخبار الزائفة، علاوة على برمجة التربية الرقمية ضمن المقررات التعليمية لتحصين الأجيال. كما يفرض الأمر انخراط النخب المثقفة في إطلاق نقاشات مجتمعية حقيقية، إلى جانب دور المجتمع المدني في تبنّي أداء احترافي ومنفتح على قضايا المجتمع.
إن هذه التيارات وإن تمدّدت، فهي تمثل «حركات» مرحلية، تبرز كردّ فعل آني على أوضاع مأزومة، وليس نتاج تطور مجتمعي طبيعي، وبقدر ما توفره الأزمات من فرص لصعود هذه التيارات، فهي غالباً ما تصبح مع مرور الوقت بمثابة فخّ لكشف هشاشة بنائها، وعامل لسقوطها.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة