الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

من السويد إلى الإمارات.. نموذج ناجح في الصحة العامة

21 أكتوبر 2026 17:31 مساء | آخر تحديث: 21 أكتوبر 2026 17:44 مساء
دقائق القراءة - 5
شارك
share
Group_SHD-1515 (1)
Group_SHD-1515 (1)
ما الذي يمكن أن نتعلمه من دولة نجحت في خفض معدل التدخين اليومي إلى 3.7 % فقط؟
أصبحت السويد الدولة الوحيدة في أوروبا التي تحقق معايير المجتمع الخالي من التدخين، متقدمة بذلك 16 عاماً على الموعد المستهدف للاتحاد الأوروبي في عام 2040 . وشكّل هذا الإنجاز محور مؤتمر الابتكار في الصحة العامة: التجربة السويدية«، الذي نظمته مبادرة «أقلع عن التدخين على الطريقة السويدية » (Quit Like Sweden - QLS)، في فندق هيلتون دبي نخلة جميرا، يوم 12 أكتوبر.
وتُعنى المبادرة المستقلة في مجال الصحة العامة، التي أسستها سويلي كاسترو، بدراسة الدروس المستفادة من التجربة السويدية والعوامل التي أسهمت في نجاحها. فقد تبنت السويد تدابير مكافحة التبغ التي وضعتها منظمة الصحة العالمية (WHO)، إلى جانب الاعتراف بدور البدائل الخالية من الدخان في مساعدة البالغين على الإقلاع عن التدخين. وبدلاً من المفاضلة بين مكافحة التبغ والحد من أضرار التبغ، جمعت السويد بين النهجين.
ويرتكز هذا النهج على ثلاثة عناصر أساسية، تُعرف بمبادئ «3 As» ، وهي سهولة الوصول إلى البدائل، وقبولها لدى المستخدمين، والقدرة على تحمل تكلفته، بحيث تكون أقل سعراً من السجائر التقليدية. وفي غياب أي من هذه العناصر، تظل السجائر الخيار الأسهل بالنسبة إلى المدخنين.
وفي دولة الإمارات، تخضع السجائر الإلكترونية للتنظيم منذ عام 2019، وأكياس النيكوتين منذ عام 2025، مع قصر استخدامها على البالغين. ويشكل الوافدون نحو تسعة من كل عشرة مقيمين في الدولة، ويحمل كثير منهم عادات مرتبطة ببلدانهم الأصلية، بما فيها استخدام  «الناسواي» الخالي من الدخان ومضغ التنبول. وفي السويد، تبلغ نسبة التدخين بين المهاجرين الأوروبيين %7.8، مقارنة بنسبة %24 في بلدانهم الأصلية، ما يعكس أهمية البيئة المحيطة والخيارات المتاحة في التأثير على سلوك التدخين.
واستعرضت الدكتورة راشيل كامينسكي، من المستشفى السعودي الألماني، أوجه القصور في خدمات دعم الإقلاع عن التدخين التي يواجهها مرضاها.
وقالت كامينسكي: "أرى أسبوعياً أشخاصاً تظهر على رئاتهم أضرار التدخين في مراحل عمرية أبكر بكثير مما ينبغي. ويرغب كثير منهم في الإقلاع عن التدخين، وقد حاولوا ذلك أكثر من مرة، لكن ما يفتقرون إليه هو الدعم المناسب، بما يشمل خدمات متخصصة للإقلاع عن التدخين، وعلاجات يغطيها التأمين الصحي، وخيارات واقعية يمكن تقديمها لمن لا يستطيعون الإقلاع. ومن دون ذلك، فإننا نعالج النتائج بدلاً من معالجة الأسباب".
 الدكتورة راشيل كامينسكي، من المستشفى السعودي الألماني
الدكتورة راشيل كامينسكي، من المستشفى السعودي الألماني
وأوضح الدكتور محمد فوزي قطرنجي، استشاري أمراض الرئة، أن المفاهيم الخاطئة المتعلقة بالنيكوتين، سواء لدى الجمهور أو العاملين في القطاع الصحي، تزيد صعوبة التصدي للتدخين. وأشار إلى أن كثيرين يعتقدون أن الشيشة والمدواخ أقل ضرراً من السجائر التقليدية، رغم أن الأنواع الثلاثة تعتمد على حرق التبغ. ويمكن أن يوفر تبغ الدوخة كمية من النيكوتين تصل إلى خمسة أضعاف ما توفره السيجارة، ونسبة أعلى من القطران بنحو %55، فيما قد تعادل جلسة واحدة من تدخين الشيشة أكثر من 40 سيجارة.
وطرح متخصصون في الصحة العامة من الحضور تساؤلات حول إصابات الرئة المرتبطة باستخدام منتجات التدخين الإلكتروني، المعروفة اختصاراً باسم (EVALI)، وحالة «رئة الفشار». ووفقاً لما طُرح خلال المؤتمر، ارتبط تفشي حالات EVALI في الولايات المتحدة عام 2019 باستخدام منتجات (THC) غير المشروعة والملوثة بأسيتات فيتامين E، وليس بمنتجات التدخين الإلكتروني المنظمة المحتوية على النيكوتين.
وأوضح الدكتور غاريت ماكغفرن أنه لا توجد أدلة تثبت أن التدخين الإلكتروني يسبب حالة «رئة الفشار»، التي ارتبط ظهورها بالتعرض لمستويات مرتفعة للغاية من مادة ثنائي الأسيتيل لدى العاملين في مصانع الفشار. وأشار إلى أن دخان السجائر يحتوي على هذه المادة بمستويات تتراوح بين 150 و800 ضعف أعلى مستوى سُجل في سوائل التدخين الإلكتروني، ومع ذلك لم تُربط أي حالة من هذا المرض بالتدخين.
وتناولت تساؤلات أخرى ما إذا كان النيكوتين مادة سامة، حيث أوضح المتحدثون أن النيكوتين يمكن أن يسبب الاعتماد عليه، لكنه ليس المادة المسؤولة عن الأمراض المرتبطة بالتدخين، وفقاً لما ورد في المناقشات. كما أشاروا إلى إدراج النيكوتين ضمن القائمة النموذجية للأدوية الأساسية الصادرة عن منظمة الصحة العالمية، وإلى خضوع منتجات التدخين الإلكتروني للتنظيم في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بعد مراجعات صارمة لمعايير السلامة والجودة. كذلك أجازت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) بعض منتجات السجائر الإلكترونية باعتبار أن تسويقها مناسب لحماية الصحة العامة.
وفي هذا السياق، استُشهد بمقولة للبروفيسور الراحل مايكل راسل، أحد رواد أبحاث الإقلاع عن التدخين في المملكة المتحدة، قالها قبل 50 عاماً: "يدخن الناس للحصول على النيكوتين، لكن القطران هو ما يودي بحياتهم".
وانتقلت الجلسة الثانية إلى مناقشة الفئات التي لم تستفد بالقدر الكافي من جهود الإقلاع عن التدخين، حيث تناول الدكتور غاريت ماكغفرن، المتخصص في علاج الإدمان في دبلن، أنماط التدخين بين الأشخاص الذين يعانون اضطرابات الصحة النفسية، وكذلك الأشخاص الذين يواجهون تحديات مرتبطة بالاعتماد على مواد مسببة للإدمان.
 الدكتور غاريت ماكغفرن، المتخصص في علاج الإدمان في دبلن
الدكتور غاريت ماكغفرن، المتخصص في علاج الإدمان في دبلن
وقال ماكغفرن: "إن الأشخاص الذين يعانون اضطرابات الصحة النفسية أكثر عرضة للتدخين بدرجة ملحوظة، وغالباً ما يدخنون بكثافة أكبر، كما تقل احتمالات نجاحهم في الإقلاع عنه، ما يسهم في ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض المرتبطة بالتدخين والوفاة المبكرة بينهم بصورة غير متناسبة".
من جانبها، أوضحت سويلي كاسترو أن إتاحة المنتج بصورة قانونية لا تعني بالضرورة سهولة حصول الجميع عليه، مشيرة إلى أن الابتكار في وسائل إيصال النيكوتين أسهم في توسيع نطاق الخيارات المتاحة أمام البالغين.
وقالت كاسترو: "وراء كل إحصائية تتعلق بالتدخين شخص وأسرة ومجتمع يتأثرون بالأمراض المرتبطة به. وما استمعنا إليه في دبي يعزز أهمية توفير خيارات أفضل للبالغين المدخنين، وضمان أن تكون البدائل الأقل خطورة سهلة الوصول ومقبولة وميسورة التكلفة. لقد أظهرت السويد ما يمكن تحقيقه، ويتمثل التحدي الآن في ترجمة الدروس المستفادة من تجربتها إلى نهج يتناسب مع احتياجات دولة الإمارات والمنطقة على نطاق أوسع".
سويلي كاسترو
سويلي كاسترو
واستعرضت بياتريز سانتوس، الرئيسة التنفيذية للشؤون التجارية في منظمة   «وي آر إنوفيشن » (We Are Innovation)، الدور الذي أداه الابتكار في تغيير أنماط الإقلاع عن التدخين في السويد، موضحة أن منتج سنوس « (Snus)»، وهو أحد منتجات التبغ الفموية، وصل إلى فئة الرجال، فيما أسهمت أكياس النيكوتين، التي طُورت بوصفها بديلاً لا يحتوي على التبغ، في الوصول إلى النساء.
وقالت سانتوس: "تكون سياسات الصحة العامة أكثر فاعلية عندما تدرك أن الأشخاص يواجهون عوائق مختلفة، وقد يحتاجون إلى مسارات متعددة للابتعاد عن التدخين. ويعني الابتكار الاستفادة من التجارب الناجحة في أماكن أخرى، وتكييف حلولها بما يضمن عدم استبعاد أي فئة أو تركها دون خيارات مناسبة".
وتعكس نسبة التدخين اليومي البالغة 3.7 % في السويد قصة تقدم ملموس في مجال الصحة العامة، لكن وراء كل شخص لا يزال يدخن قصة مختلفة أيضاً. فطرق الإقلاع عن التدخين ليست واحدة لدى الجميع، وتكون جهود الصحة العامة أكثر فاعلية عندما توفر أكثر من مسار لمساعدة المدخنين على الإقلاع عنه.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة