هناك عدة انتخابات قريبة في دول أوروبية، تظهر المؤشرات الأولية أن فرص فوز أحزاب يمينية متطرفة وتيارات شعبوية، يمينية في الأغلب وربما يسارية أيضاً، أكبر مما سبق. يعود ذلك إلى أكثر من عامل، وإن كان ذلك المنحى لا يعكس تحولاً أوروبياً جذرياً، على مستويات القواعد الجماهيرية، نحو اليمين المتطرف أو اليسار المتشدد.
بالطبع العامل الأكثر وضوحاً هو تأثير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتياره اليميني الشعبوي في الولايات المتحدة. فغالباً ما ينظر الأوروبيون إلى أمريكا باعتبارها تطورهم التاريخي الذي سبقهم في أغلب المجالات. لكن تأثير ترامب هو في النخبة السياسية أكثر منه في القواعد الجماهيرية التي وإن كانت تتطلع لأمريكا لكنها لا تستسيغ ترامب وفريقه.
العامل الأهم في ما يتعلق بالجماهير الأوروبية هو أن تصويتها لليمين المتشدد تصويت احتجاجي على الأحزاب التقليدية من يمين ويسار الوسط التي فشلت في أن تحقق تطلعات الناس بتحسين مستوى المعيشة. وترفع الأحزاب الصاعدة، من اليمين المتطرف واليسار الشعبوي، شعارات تداعب هذا الاحتجاج الجماهيري.
ليس لدى اليمين المتطرف ولا اليسار المتشدد برامج عملية قابلة للتنفيذ بشكل واقعي، خاصة في ما يتعلق بالاقتصاد الذي يمس حياة الناس العادية. وقد جرب البريطانيون مثلاً، على المستوى المحلي في الأحياء والبلدات التي شهدت انتخابات بلدية مؤخراً انتخاب ممثلي حزب يميني متطرف، ولم تمض أسابيع حتى اتخذت مجالس تلك الأحياء التي فازوا فيها قرارات عكس شعارات الحزب، بل استقال أو أقيل عشرات من هؤلاء المنتخبين أغلبهم لأسباب تتعلق بالسلوك، وأغلبهم في النهاية لا يعرفون أي شيء عن عمل مجالس الأحياء ولا دواليب عمل الدولة على أي مستوى. ربما يحتاج الناس إلى اختبارات أوسع، كانتخابات عامة تصعد بحزب يميني متطرف إلى السلطة كما يتوقع في فرنسا أو ألمانيا، أكبر بلدين في أوروبا. مع أن نموذج المجر ماثل للأذهان، إذ انتخب المجريون زعيماً يمينياً شعبوياً هو فيكتور أوربان عام 2010 ولم يتحقق لهم شيء مما وعد به.
لكن الشعوب عامــة، وليس الأوروبيون استثناء، تستسيغ الشعارات المثيرة والخطاب الشعبوي لأنه «استسهال»، ثم يفيقون على اكتشاف أنه لا يصمد أمام الواقع لكن غالباً بعد فوات الأوان. وفي تاريخ أوروبا الحديث مثال جلي على ذلك، ففي نهاية النصف الأول من القرن الماضي انتخب الإيطاليون موسوليني وانتخب الألمان هتلر على أساس شعارات اشتراكية براقة. والنتيجة طبعاً معروفة وما زالت أوروبا والعالم يعانون بعض آثار الفاشية والنازية حتى الآن. ربما لا يكرر التاريخ نفسه بهذا الشكل، وبالتأكيد تختلف ظروف العالم الآن عما كانت عليه قبل نحو قرن من الزمان، لكن نتائج صعود اليمين المتطرف والتيارات الشعبوية، يسارية كانت أو يمينية، لا تحتاج إلى ذكاء كبير لتوقعها: انهيار الشعارات والوعود على صخرة الواقع وفشل ربما أكبر وأخطر من فشل تيار أوربان في المجر.
لعل في نموذج صعود اليمين الشعبوي في أمريكا ما يشير إلى أن تلك الأحزاب والتيارات والحركات ما إن تصل إلى السلطة حتى تسعى إلى تعديل القوانين وتغيير شكل النظام بما يسمح باستمرارها في السلطة حتى لو فشلت سياسياً واقتصادياً. ومع اتساع رقعة صعود قوى مماثلة في أكثر من بلد يصبح من السهل على اليمين المتطرف واليسار الشعبوي صبغ النظام كله بذلك النهج الشمولي.
إذا حدث ووصل اليمين المتطرف إلى السلطة في فرنسا وألمانيا، إلى جانب وجوده في الولايات المتحدة وبعض دول أمريكا اللاتينية وآسيا، فلن تقف تلك الموجة عند هذا الحد وسيواجه العالم كله صعوداً للمتطرفين والشعبويين ربما بما يشكل «النظام العالمي الجديد» الذي يسعى العالم إليه منذ نهاية الحرب الباردة في الربع الأخير من القرن الماضي.
صحيح أن العالم قد لا يشهد موجة فاشية ونازية كما حدث في القرن الماضي في أوروبا، لكن أيضاً ليس هناك ما يضمن ألا تكون النتيجة أسوأ من ذلك. وفي كل الأحوال على الجميع «ربط الأحزمة استعداداً لاضطرابات شديدة».
