الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

إعادة حسابات واشنطن

21 أكتوبر 2026 00:01 صباحًا | آخر تحديث: 21 أكتوبر 2026 00:01 صباحًا
دقائق القراءة - 3
شارك
share
يبدو أن الولايات المتحدة بصدد تحولات سياسية أكثر واقعية، تمليها المعطيات الراهنة والمستقبلية، ومفادها أنها لم تعد قادرة على الاستمرار في خيار العمل العسكري في غرب آسيا والشرق الأوسط والخليج بالنهج السابق نفسه.
وفي هذا السياق، تدرس وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) ودوائر استخباراتية، بمشاركة قائد القيادة المركزية (سنتكوم) الأدميرال براد كوبر، خيارات تقليص الوجود العسكري في الشرق الأوسط. ولذا، أعلنت «سنتكوم» في 29 سبتمبر (أيلول) الماضي اكتمال انسحاب جميع القوات والمعدات الأمريكية من العراق.
ورغم التصعيد في المواجهة الأمريكية–الإيرانية، تبدو الولايات المتحدة أكثر ميلاً نحو التهدئة وإنهاء الصراع عبر قنوات التفاوض غير المباشر والتسويات السياسية، متجنبةً الانخراط في حروب مباشرة جديدة بالمنطقة أو الاعتماد الحصري على الأداة العسكرية لحل خلافاتها الخارجية، لا سيما مع عودة المعارضة الشعبية في الداخل الأمريكي لتنظيم صفوفها عبر احتجاجات «لا للملوك» المناهضة لسياسات الرئيس دونالد ترامب وتفرده بقرارات الحرب، والتي تأتي قبل نحو أسبوعين فقط من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. ولذا، يقول المؤرخ الأمريكي، مايكل ريتشارد بيشلوس، عضو مجلس أمناء جمعية البيت الأبيض التاريخية، «يجب أن يخضع الرئيس لرقابة المحكمة العليا والكونغرس ووسائل الإعلام الحرة والنزيهة».
التحول الأمريكي تفرضه أيضاً حالة من الانقسام والرفض على الساحة الدولية، فرغم أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ساندا أوكرانيا في حربها مع روسيا، إلا أنهما اختلفتا بشأن الحرب الأمريكية – الإيرانية، فلم تساند أوروبا أمريكا في حربها، أو كانت مساندتها محدودة اقتصرت على تقديم دعمٍ لوجستي من القواعد الأمريكية في أوروبا والانضمام إلى حملات الخنق الاقتصادية، بينما رفض المجتمع الدولي الحرب، ورفضت الصين – أكبر شريك تجاري لإيران– المشاركة في حملات الضغوط الاقتصادية الأمريكية – الأوروبية، وهو الموقف ذاته الذي اتخذته روسيا ومعظم دول الجوار الإيراني، حيث ظلت تبادلاتها التجارية مع طهران مستمرة، لاسيما وأن لسياسة الضغوط القصوى ارتدادات سلبية على اقتصادات حلفاء واشنطن أنفسهم، وتفتح باباً للصراع بين أمريكا وحلفائها. أيضاً، التقت هذه المواقف مع قمة رؤساء الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون و«شنغهاي بلس» التي انعقدت في بيشكيك، قرغيزستان (31 أغسطس – 1 سبتمبر 2026)، والتي دعمت إيران ودعت لإنهاء المواجهة المسلحة والعودة للدبلوماسية، وهو مشهدٌ شكل عامل ضغط حقيقياً على صانع القرار الأمريكي للتراجع عن خيار المواجهة الشاملة.
وفي السياق ذاته، يمر التحالف الأمريكي – الإسرائيلي بمرحلة ضعف، لا سيما بعد معارضة نائب الرئيس جي دي فانس ومُشرّعين أمريكيين التدخل الإسرائيلي في السياسة الأمريكية. وتزداد التوقعات السياسية بأن مخرجات انتخابات التجديد النصفي للكونغرس (نوفمبر 2026) والانتخابات الرئاسية (2028)، ستفرز واقعاً جديداً يرجح فيه - وبقوة - عدم استمرار الإدارات الأمريكية المقبلة، سواء كانت ديمقراطية أو جمهورية، في إدارة العلاقة مع تل أبيب بالنهج السابق نفسه، ما سيحرم إسرائيل القدرة على جرّ واشنطن إلى حروب إقليمية في الشرق الأوسط. ويتزامن ذلك مع معارضة عالمية مُتنامية ضد السياسة الإسرائيلية، تجلّت أبرز مظاهرها في مغادرة وفود عشرات الدول قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك احتجاجاً على صعود رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى المنصة في سبتمبر(أيلول) الماضي، ما يعكس عمق العزلة الدبلوماسية التي تواجهها تل أبيب.
ثمة أسباب اقتصادية هيكلية لهذا التَحَوُّل السياسي الأمريكي. حيث سجل الدين العام الأمريكي رقماً قياسياً بتجاوزه عتبة 40 تريليون دولار، بحسب وزارة الخزانة الأمريكية، في 20 أغسطس (آب) 2026، وهو مؤشر مالي حرج جاء أسرع بكثير من تقييمات مكتب الميزانية في الكونغرس الذي كان يتوقع وصوله إلى هذا المستوى بحلول السنة المالية 2028. وتعكس هذه الفترة التاريخية تسارعاً ناهز تريليون دولار إضافي خلال الأشهر الخمسة الماضية، فقط، من عام 2026، جراء تتالي عجز الميزانية وتفاقم كلفة خدمة الدين مع بقاء أسعار الفائدة مرتفعة. وأفادت شبكة «سي إن إن» الأمريكية أن هذا التراكم الحاد في الالتزامات المالية ينذر بعواقب اقتصادية هيكلية تشمل تقليص الخيارات المتاحة للحكومة الاتحادية الأمريكية، وفرض أعباء تمويلية متزايدة على الشركات والمواطنين لأعوام قادمة. وهذا تحدٍ صارم أمام الاستقرار الأمريكي.
هذا التحول السياسي تحركه كلفة اقتصادية باهظة تتجلى ملامحها في سوق الطاقة الأمريكي، ففي سبتمبر(أيلول) الماضي، سجل سعر غالون الديزل أعلى مستوى قياسي في تاريخه ببلوغه 6.49 دولار، فيما استقر متوسط غالون البنزين عند 4.47 دولار، متجاوزاً عتبة ال 6 دولارات في بعض الولايات. ومع تخطي سعر النفط حاجز 108 دولارات للبرميل في أكتوبر(تشرين الأول) الجاري، تضاعفت كلفة النقل، والزراعة، والتصنيع، ما ألقى بأعباء تضخمية ثقيلة على كاهل الاقتصاد الأمريكي وبات يضغط بقوة لتغيير أولويات واشنطن السياسية واستراتيجيتها الإقليمية.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة