لسنوات طويلة لم يكن من حديث لمئات المحللين والمفكرين سوى عن التأثير السلبي للعولمة في مختلف الثقافات، هذا يحذّر من مخاطرها على الهوية، وذاك يشدّد على ضرورة حماية اللغات الوطنية ودعمها، وداخل هذا المشهد من يتناول أساليب تنميط السلوك وصياغة رؤية موحدة للعالم، لا تبدأ من طرائق ارتداء الزي، ولا تنتهي باكتساح أطعمة معيّنة لجهات الأرض كافة، ولكن بعد عقود من العولمة تبيّن أن استهدافها للثقافة لم يكن الخطر الأكبر، وأن هناك تهديدات أكثر تأثيراً تحملها العولمة في ركابها.
إذا تجوّلنا قليلاً في تاريخ الاستعمار وتشكيل الإمبراطوريات سنجد أن ما فعلته العولمة في الثقافات الأخرى لم يكن جديداً، أو مبتكراً. فكثيراً ما قلدت الشعوب المغلوبة على أمرها المنتصر في مختلف مظاهر حياته، حتى اعتبر ابن خلدون تلك الظاهرة بمثابة القانون التاريخي. والملاحظة الثانية أن العولمة كما أثرت في ثقافات عدّة، تأثرت بها أيضاً، وهو قانون تاريخي آخر ينتج عن التفاعل بين الحضارات، ولكن الجديد الذي قدمته العولمة في نسختها الغربية للعالم أنها استهدفت العقل الإنساني، وهي لم تفعل ذلك عبر أدوات وتقنيات ثقافية يمكن تغييرها والتخلص سريعاً من آثارها، ولكن من خلال مخطط طويل، ربما يكون قد نجح في تغيير طبيعة العقل نفسه.
منذ عقود طويلة والعولمة تقصف العقل البشري بوسائل وأساليب شتى، تأتي في مقدمتها الصورة، ولم تعُد المسألة تقتصر على صور الفضائيات، ولا على إحاطة الإنسان بصور في كل مكان، وكأنه يعيش ويتحرك في معرض من الصور، ولكن الهجوم تزايد حتى أصبحت الصورة رفيقة الإنسان في أي وقت، يصحو عليها، وينام وهو يقلب في آلاف الصور، وعندما يخلو إلى نفسه ليس وراءه إلا الصورة، يخزنها في يده، عبر الهاتف المحمول، والذي يعتبره بعض المفكرين بمثابة عضو جديد أضيف إلى الجسد البشري.
ولم يعُد هدف الصور خداع العقل عبر تقنيات تحريف الحقيقة التي يعرفها العاملون في الإعلام، كما كانت تفعل العشرات من الصور الإخبارية في الماضي، ولكننا دخلنا الآن في مرحلة التزييف العميق الذي يخلق صورة مخترعة اختراعاً وتقديمها على أساس أنها الحقيقة، لقد أصبح الخداع موضة قديمة، والآن لا بدّ من اختراع واقع وهمي ينام فيه العقل البشري على أنغام موسيقى سعيدة يعزفها الذكاء الاصطناعي.
وصف بعض المنظّرين الحضارة الغربية بأنها حضارة العين، على أساس أنها أكثر حضارة اهتمت بالفنون البصرية، ولكن قبل زمن الانفجار الإعلامي، كان ما يُقدم للعين يهدف إلى إمتاعها جمالياً، بل ويحفز العقل على التأمل والتفكير، وهذه كانت وظيفة الفن التشكيلي، والعمارة، والسينما.
لم يكن هدف الفنون إلا ملامسة العين برفق ومخاطبة العقل بتحضر، وهو ما انقلب تماماً مع الصورة الإعلامية الإخبارية التي تطورت أهدافها عبر أربع خطوات: من خداع العقل إلى محاولة ترويضه والوصول في مرحلة ثالثة إلى الهيمنة عليه، وهي الآن في مرحلتها الرابعة أشبه ما يكون بالطوفان الذي يوشك أن يغرق ذلك العقل.
