الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

المقال الصحفي.. مَنْ يكتبُ ومَنْ يصغي؟

23 أكتوبر 2026 00:04 صباحًا | آخر تحديث: 23 أكتوبر 2026 00:05 صباحًا
دقائق القراءة - 2
شارك
share
أن يكتب صاحب المقال عن الناس، فإنه بذلك يتحمل مسؤولية تتجاوز إبداء الرأي، إذ يفسح أمام قضاياهم مساحة للفهم والنقاش، وينقل تفاصيل حياتهم من مجال خاص إلى واقع عام، ومن هذه الصلة يستمد المقال الصحفي قيمته، بوصفه عملاً فكرياً يفسر الوقائع، ويحلل الممارسات، ويقترح ما يستحق النظر.
وقد اكتسب كتّاب المقالات مكانتهم، بما امتلكوه من قرب وفهم بمجتمعاتهم، وقدرتهم على التقاط ما يشغل الناس، بالإصغاء إلى شكوى، والتوقف عند ظاهرة، والربط بين تجربة فردية وسياق مجتمعي أوسع، وحين يجد القارئ في المقال تعبيراً أميناً عن دواخله وتطلعاته، تنشأ بينه وبين كاتب المقال ثقة تجعل للكلمة وزناً، ولصاحبها مسؤولية مضاعفة في التحقق والإنصاف.
وفي هذه المساحة التفاعلية بين مختلف مكونات المجتمع من أفراد ومؤسسات، يستطيع المقال أن يسهم في صناعة القرار، فيلفت الانتباه إلى حاجة غائبة، أو يكشف أثراً لم يؤخذ بالحسبان، أو يطرح بديلاً قابلاً للدراسة، وليس من الدقة ولا الإنصاف ولا حتى النزاهة أن ننسب القرارات الكبرى إلى مقال منفرد، فهي حصيلة اعتبارات ودراسات متعددة، لكن الكلمة الواعية قد تفتح سؤالاً، والسؤال قد يقود إلى مراجعة نافعة.
ودور كاتب المقال لا ينقضي بمجرد وصول المعنيين إلى قرار، بل يبدأ دور آخر له في شرح مقاصده، ومتابعة تنفيذه، وتفسير أسباب نفعه التي توجب الإشادة به بنفس الطريقة التي تناولها الكاتب حين سعى خلف وجوب اتخاذه والحث على الالتفات إليه.
غير أن هذه العلاقة تستحق اليوم إعادة النظر، فقد تعددت منصات التعبير عن الرأي، وتسارعت دورة الأخبار، وأصبح المقال ينافس محتوى يختصر القضايا المعقدة في ثوانٍ، واتسعت فرص الوصول، بينما بات جذب الانتباه والاحتفاظ به أكثر صعوبة، وهنا يبرز سؤال: هل ما زال المقال يجد قارئاً يتأمل حجته، ومسؤولاً ينظر في مقترحه؟
الجواب يحتاج منّا أن نكون متوازنين غير متحيزين ولا معممين، فلا يصح افتراض أن المجتمع أعرض عن القراءة، أو أن المسؤول توقف عن الإصغاء، كما ينبغي للكاتب أن يسأل نفسه: ماذا سأضيف؟ وهل فعلاً استندت إلى مصادر موثوقة؟ وهل اقتربت من أصحاب الشأن بما يكفي لفهم كافة أبعاد قضاياهم؟ وهل قدمت فكرة تستحق أن يخصص القارئ لها جزءاً من وقته، أم اكتفيت بتكرار ما يعرفه؟ بعدها سأضمن تحقيق التأثير المأمول من المقال.
ومطلقاً لا أعني بالإصغاء الموافقة على كل ما يكتب، مثلما لا أعني بأن يمنح مقال الرأي صاحبه حصانة من المراجعة، بل المطلوب علاقة تسمح بتبادل المعرفة وتصحيح التصورات، فقد يكشف الكاتب ما غاب عن المؤسسة، وقد تملك المؤسسة معلومات تغير حكم الكاتب.
يستحق المقال الصحفي مكانته بقدر ما يضيء من أمور ومسائل ومواضيع، وبحسب ما يترك من فهم عميق، وبحجم ما يسهم في تحسين حياة الناس، وبين قلم يعرف مسؤولياته، ومؤسسات تتيح الحوار وتجيد الإصغاء، وقارئ يملك وعياً حول كل ما يتلقاه، تتجدد قدرة الكلمة على خدمة المجتمع.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة