الخليج ،صحيفة يومية تصدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر بمدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أنشئت عام 1970 على يد الشقيقين المرحومين تريم عمران تريم وعبدالله عمران تريم | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
أحمد البيرق
كاتب
أحدث مقالات أحمد البيرق
16 فبراير 2026
فلي.. من طريق نعبره إلى غاية نقصدها

أحمد سالم البيرق

لم تكن منطقة فلي يوماً مجرد بقعةٍ هادئة على خريطة الشرق، بل كانت عبر عقود طويلة محطة رئيسية لعبور القوافل وملتقى البشر وتبادل البضائع وتناقل الأخبار، بفضل ما تمتلكه من موارد ماء وأفلاج جعلت منها قبلةً للمسافرين، ومأوىً للراحلين، واستراحةً لا غنى عنها في طرق التجارة والتنقل.
وتروي الذاكرة الشعبية أن فلي كانت تستقبل في فصل الصيف قوافل نقل البشر المعروفة ب «الكرايه»، وهي قوافل كانت ترافق حركة انتقال الأهالي إلى المصايف هرباً من قيظ الصيف. وفي المقابل، كانت المنطقة تشهد في فصل الشتاء مرور قوافل نقل الأسماك التي تُعرف ب«الطراريد»، حيث كانت الأسماك تُنقل من الساحل الشمالي إلى الداخل ضمن دورة موسمية ارتبطت بحاجات الناس وتوافر الغذاء.
وعلى مدار العام، لم تكن فلي تخلو من قوافل المؤن والبضائع المختلفة، التي تضم الخضروات والغلال والتمور والماشية، إضافة إلى الأخشاب والأسلحة والأواني والفحم وغيرها، بحسب مواسمها وتوافرها.
هذا التنوع في القوافل جعل من فلي نقطة التقاء اقتصادية واجتماعية، وفتح الباب تدريجياً لقيام سوق محلي نشط يتم فيه البيع والشراء بالنقد وبالدين وكذلك بالمقايضة، وتُدار فيه حركة تبادل تجاري فرضتها طبيعة المكان ودوره في شبكة الطرق القديمة.
وكان الماء هو العامل الحاسم في ترسيخ هذا الدور، إذ لعبت الأفلاج دوراً مركزياً في جعل فلي محطة آمنة للراحة والتزود، وهو ما استدعى بالضرورة قيام منظومة دفاعية تحمي السكان والقوافل.
وتضم المنطقة حصوناً وأبراجاً دفاعية، أبرزها حصن شرقي وآخر غربي، إضافة إلى أبراج تحرس المزارع والمسارات، وتؤمّن حركة القوافل وبضائعها. وفي حاضرنا، تعود فلي إلى الواجهة من جديد عبر رؤية إمارة الشارقة بحكمة ربانها وباني نهضتها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، الذي لم يغفل يوماً عن دعم المنطقة وأهلها، حيث وفّر مقومات الحياة الكريمة من مساكن وطرق وخدمات ومدارس، رغم قلة عدد السكان.
واليوم، تأتي مشاريع جديدة تعيد للتاريخ ذاكرته وتحفظ للمكان قيمته، عبر ترميم حصن فلي الغربي، وإقامة سوق فلي التراثي، وإنشاء حديقة الحيوانات الأليفة، ومحاكاة طرق القوافل وتجربة التنقل على ظهور الجمال، إلى جانب ترميم الأفلاج وإحياء المزارع.
وبلا أدنى شك فإن هذه المشاريع ستنعكس منفعتها على المنطقة وأهاليها من خلال تنشيط السياحة التراثية، وتحريك الأسواق المحلية، وإيجاد فرص عمل، وتعزيز ارتباط الأجيال الجديدة بتاريخ المكان. إنها فلي، تعود كما كانت مكاناً يُعلّم الطريق معنى الحياة، وتعود لا لتكون طريقاً نعبره بل غاية نقصدها.

7 فبراير 2026
في الذيد.. للمكان ذاكرته وللناس حياتهم

في مدينة الذيد، حيث تتجاوز ذاكرة الواحة اتساع الصحراء، تتجلّى رؤية تنموية مختلفة، لا تُقاس فقط بحجم المباني أو عدد المرافق، بل بما تصنعه من أثرٍ مباشر في الإنسان والمكان. 
فالمشاريع التي أطلقها مؤخراً صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، لا تبدو مشاريع منفصلة في مجالات متعددة بقدر ما تبدو منظومة واحدة ذات هدف واضح يرتكز على بناء الإنسان وتعزيز علاقته ببيئته وتراثه وثقافته، مشاريع تتحدث إلى المجتمع بلغته الحقيقية، لغة التاريخ، والذاكرة، والحياة اليومية، والاحتياج الطبيعي للمعرفة والاستقرار والتواصل.
هذه المشاريع لا تأتي بوصفها منشآت منفصلة، بل كمنظومة متكاملة تُحاكي طبيعة الذيد ومكانتها، فهي مدينة عُرفت عبر القرون بوصفها محطة قوافل، وواحة استقرار، وموئل ماء وزراعة، ومركزاً اجتماعياً يتقاطع فيه الناس والطرق والحكايات. 
وتجسد هذه المشاريع رؤية صاحب السمو حاكم الشارقة في أن التنمية ليست إسمنتاً فقط، بل ثقافة، وبيئة، وكرامة تاريخ، ووعي مجتمع. وفي الذيد تحديداً، تبدو هذه الرؤية أكثر وضوحاً، إذ تعود الإمارة بمشاريع جديدة إلى المدينة، لا لتغيرها عن طبيعتها، بل لتطوّرها بما ينسجم مع روح أهلها وعاداتهم وتقاليدهم، ويجعل من الذيد نموذجاً لمدينة تجمع بين الأصالة والتحديث، وبين التراث والتنمية، وبين الذاكرة والمستقبل.
فصون برج المضارسة وترميمه ليس مجرد حماية لجدران قديمة، بل حماية لصفحة من ذاكرة الذيد، وإعادة تقديمها للأجيال بوصفها قصة مكان وإنسان، وإنشاء متحف للحياة الفطرية ليس مبادرة معرفية فحسب، بل رسالة تؤكد أن البيئة ليست هامشاً، بل أصلٌ من أصول الهوية والاستدامة، أما المجلس الأدبي والسوق التراثي، فهما مساران يكملان بعضهما بعضاً، ليجعلا الثقافة والتراث والنشاط الاقتصادي جزءاً من نبض المدينة اليومي.
كل ذلك حتى تصبح الذيد في المرحلة المقبلة أكثر حضوراً في خارطة السياحة الثقافية والبيئية، وأكثر قدرة على خلق حياة اجتماعية واقتصادية متوازنة، وأكثر وفاءً لهويتها العميقة. 
وهكذا تعود الذيد إلى مركزها الطبيعي، مدينة تجمع بين الأصالة والتحديث، وبين التراث والتنمية، وبين الذاكرة والمستقبل، لا تُبدّل مشاريعها ملامحها، بل تصقلها، ولا تنتزعها من عاداتها وتقاليدها، بل تبني فوقها وتستمد منها، وعداً بأن الإنسان فيها سيبقى أول الحكاية وآخرها.

16 نوفمبر 2025
«مجمع التواريخ» وبناء الوعي البحثي

بقلم: أحمد سالم البيرق

ماذا أراد صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، من إصدار مؤلفه «مجمع التواريخ لشبه الجزيرة العربية وفارس» ومؤلفاته التاريخية بشكل عام؟ وما الدور الذي يرجوه من تلك المؤلفات؟ وما الذي يصبو إلى تحقيقه؟ وماذا يأمل من مجتمع الباحثين، خصوصاً أولئك المنشغلين بتاريخ المنطقة؟
لعل الإجابة المختصرة لما سلف من تساؤلات هي: بناء الوعي البحثي.
فالمراجع والمصادر والتي منها هذا السفر التاريخي الجليل والأسفار التاريخية لسموّه، تعد العمود الفقري لأي بحث تاريخي. فهي تمثل المادة الخام التي يبني منها الباحث تحليله واستنتاجاته.
واليوم نجد أن صاحب السموّ حاكم الشارقة قد اختصر الطريق أمام الباحثين وكفاهم عناء البحث الذي يجر وراءه مشقة سفر وعناء، وضنك تصاريح، وتسهيلات وجهد بدني، وسباق متعب مع الزمن.
رغم الجهود الكبيرة التي بُذلت في العقود الأخيرة، لا يمكن القول إن تاريخ الخليج العربي وبلاد فارس استوفى حقه الكامل من البحث، فتأتي مؤلفات سموه لتعيد قراءة التاريخ من وجهة نظر عربية بمشاركة الباحثين والأكاديميين المختصين.
ولعل المتتبع لجهود سموّه في دعم المراكز البحثية بمختلف مشاربها، وتقديم المنح للراغبين في الدراسات الأكاديمية العليا وتشجيعه للدراسات متعددة اللغات، يجد فيها خدمة أخرى للباحثين من أجل تكوين رؤية متكاملة لهم في مجالات بحوثهم.
وما قام به سموه يعبر عن إيمانه الراسخ بأن البحث التاريخي، يعد أحد أهم فروع المعرفة الإنسانية، ويُمكِّن الباحث من إعادة بناء الماضي وفهم تطور المجتمعات البشرية، ولا يمكن لهذا العلم أن يزدهر أو يتقدّم، من دون الاعتماد على المراجع والمصادر البحثية التي تُعدّ الركيزة الأساسية في عملية البحث العلمي التاريخي.
إن المستقبل البحثي في هذه المنطقة واعدٌ، خصوصاً مع تزايد الوعي الثقافي والدعم المؤسسي لمشروعات التاريخ والتراث، وهو ما يجعل من الخليج وبلاد فارس فضاءً مفتوحاً لإعادة كتابة تاريخٍ أكثر شمولاً وموضوعيةً وعدلاً مع ذاكرة المكان والإنسان.

11 سبتمبر 2025
اتصال الشارقة إنساني

جودة حياة الأفراد لم تعد تقاس فقط بالموارد المادية أو الخدمات المتوافرة ووسائل الترفيه المتاحة، بل بمدى توازن الفرد بين التكنولوجيا والإنسانية، بين العالم الافتراضي والحياة الواقعية، ولن يتحقق ذلك دون وجود اتصال وتواصل إنساني حقيقي فعال.
ومن خلال ما يتناوله المنتدى الدولي للاتصال الحكومي في الشارقة من موضوعات وما يناقشه من قضايا في دورته الحالية نجد أن الاتصال الإنساني إذا ما صح التعبير يشكل حجر الزاوية في بناء الأجيال الواعية بإدراكها، السليمة بأفكارها، الصحيحة بأبدانها.
وبناء على ما سبق نجد أن الشارقة قد سارت أساساً وفق ذلك بفضل رؤية قائدها وباني نهضتها ومخطط مسيرتها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، فالتعليم في الشارقة ليس مجرد نقل للمعرفة فحسب، بل هو تفاعل وجداني واجتماعي وأخلاقي بين عناصر العملية التعليمية بمختلف مستوياتهم ومراكزهم، ويتخطى أسوار المدرسة، وبذلك يحقق جودة في الحياة التعليمية.
كما اهتمت الشارقة بالرعاية النفسية لمواطنيها في بيوتهم أو لموظفيها في بيئات عملهم، وهذه الرعاية النفسية بحاجة إلى كلمة مواساة، أو ابتسامة صادقة، أو لقاء يُعيد للنفس اتزانها، عبر قرارات وتوجيهات تنبثق نتيجة للاتصال الإنساني الرامي لتحقيق جودة الحياة.
كما عملت الشارقة من خلال الاتصال على تقديم خدمات صحية مميزة غير تلك المتعلقة بالمرافق والتأمينات الصحية العلاجية تهدف إلى تعزيز المشاركة في الأنشطة الجماعية من خلال برامج مجالس الضواحي والمناشط التي تقام في الأحياء وتوفير البنى التحتية التي تخدم تلك الأنشطة وتعيد للبدن حيويته وللروح إشراقها.
حتى في مائدتنا، حيث يكمن الأمن الغذائي، يصبح الاتصال الإنساني ضمانة للثقة، لا مجرد دعاية، ويتحول الغذاء النافع إلى ثقافة وأسلوب حياة بعيداً عن الشعارات الرنانة والادعاءات الخاوية، كل ذلك من أجل رفع مستوى الوعي لدى أفراد المجتمع بضرورة الحفاظ والاهتمام بأمننا الغذائي الذي سيضمن بإذن الله تعالى خلق مجتمعات خالية من أمراض العصر المنتشرة.
إن جودة الحياة ليست في عدد تطبيقات الخدمات الإلكترونية التي تحويها هواتفنا، ولا في سرعة الإنترنت التي نلاحقها، بل في دفء كلمة صادقة، وابتسامة تُطَمْئن القلب، ومائدةٍ يجتمع حولها الأحبة بلا وساطة شاشة. فالعقل يحتاج إلى صفاءٍ بعيد عن التشتت الرقمي، والنفس تحتاج إلى سندٍ وجداني حيّ، والجسد لا يستقيم إلا بحركة ومشاركة إنسانية.
دعوتي أن نُعيد للاتصال دفئه الإنساني، ونستعيد عبره معنى الحياة. فالتكنولوجيا وُجدت لتخدمنا، لا لتسرقنا من بعضنا، وما نريده عندما نقول: اتصال إنساني دون عزلة رقمية، حتماً لا نعني به رفضنا للتكنولوجيا، بل سعينا لتوظيفها باعتدال يخدم الإنسان ولا يعزله.

22 مايو 2025
ما بين الخليفة المأمون والسلطان المؤتمن

«عندما أكون في فرنسا أشعر وكأنني في قمة الدنيا».. تلك الكلمات سمعتها لأول مرة في كلمة لصاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، ضمن حفل أقيم في العاصمة الفرنسية باريس لتدشين أحد إصداراته المترجمة للغة الفرنسية في مارس من العام 2016، وأوضح حينها سموه بأنها كانت ضمن رسالة لسموه بعث بها إلى الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك وذيلها سموه بعبارة صديق فرنسا وتوقيعه.
ومن باريس التي يكن لها سموه الاحترام والتقدير يأتي التكريم الاستثنائي والمتفرد لمقام سموه الكريم، وعبر أرفع المنظمات الدولية الخادمة للفكر الإنساني منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، وكأول قائد عربي يكرم فيها منذ تأسيسها وذلك عن دوره الجلي في إنجاز وإتمام المعجم التاريخي للغة العربية، ولأنه السلطان المؤتمن على لغة الضاد وأهلها.
ما قام به صاحب السمو حاكم الشارقة في خدمة اللغة العربية لم يقتصر على إنجاز المعجم فحسب، بل قبل ذلك كانت هناك جهود كبيرة محلياً وإقليمياً ودولياً من خلال دعمه لجمعية اللغة العربية في الإمارات مادياً ومعنوياً وإقامة مجمع للغة العربية في الشارقة ودعم مجامع اللغة في أقطار الوطن العربي والتكفل بتشييد اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية ومقره جمهورية مصر العربية، إضافة إلى اعتنائه بالشعر كونه ديوان العرب وإقامة وتشييد بيوت الشعر في عواصم ومدن عربية عديدة.
جهد صاحب السمو حاكم الشارقة من أجل الاعتلاء باللغة العربية يجعلني أضعه في مقاربة منطقية رغم تباعد العصرين مع ما قام به الخليفة العباسي المأمون عندما قاد حركة الترجمة التي بدورها قادت إلى تحقيق النهضة العلمية، وقد منحت الترجمة اللغة العربية في ذاك الزمان مكانة مرموقة بين اللغات العالمية، بعد أن كانت محصورة في كتب وعلوم الدين والأدب لتصبح لغة أساسية في تعليم وانتشار العلوم التطبيقية والنظرية كالطب والتشريح والفلك والجبر والحساب والفلسفة وغيرها.
منظمة بحجم «اليونيسكو» لا تنظر إلى الفعل اللحظي للأفراد لكي تشرع بتكريمهم والإشادة بدورهم الفكري والإنساني بل تتبع سيرهم ومسيرتهم وما قدموا طوال سني عملهم وعطائهم، ولربما يكون مشروع المعجم التاريخي للغة العربية هو الدرة والجوهرة الأعظم التي زينت تاج أعمال وعطاء سموه في خدمة العلوم والثقافة والآداب ولكن دون أدنى شك بأن مسيرة سموه مملوءة بالعطاءات المتوافقة مع السياسة العملية والعلمية لليونسكو.
أستذكر هنا موقفاً وكلمات لسموه غاية في الأهمية ستجدون بأنه حقاً يستحق أن يكون المؤتمن ليس فقط على لغتنا العربية بل على تاريخ وتراث وهوية الأمة ففي يناير من العام 2015 التقى صاحب السمو بالشعراء والأدباء المشاركين في الدورة 13 من مهرجان الشارقة للشعر العربي في دارة الدكتور سلطان بن محمد القاسمي للدراسات الخليجية - في مقرها الأول - قال سموه حينها: «اليوم أنا أقدم الشارقة كحاضنة للثقافة والتراث الثقافي فنحن أمة مهددة في كل الأقطار والشارقة عملت على احتضان كثير من ثقافات الشعوب إلى أن يأتي زمن ويرجع كل شي لأهله فما نتلمسه من جهود الشارقة في خدمة الثقافة ليس من أجلها فقط فما هي إلا قرية صغيرة في عالم كبير ولكننا عملنا على أن نكون الركن الذي يلتجأ إليه الأدباء والمثقفون إذا ما شعروا بأنهم ملغيون من المجتمع فليأتوا إلينا ليجدوا أنفسهم ولا نريد منهم أن يفعلوا الثقافة لنا فحسب بل عليهم أن يفعلوها للوطن العربي ككل ومن خلالنا».
أراد المؤتمن القاسمي من الشارقة أن تكون كما بغداد في عصر المأمون العباسي منتهى وغاية ومقصد كل عالم ومحدث وفقيه وطالب علم ومهندس وطبيب وشاعر وأديب وفنان ومبدع في مختلف ضروب الفن والهوايات والمهارات، وبذلك استحق العصر الذي شهد مثل ذلك الانبلاج الفكري والانفتاح المعرفي أن يوصف بكونه ذهبياً، وها هو المجد يعود من جديد والذهب يزداد بريقاً.
تكريم صاحب السمو حاكم الشارقة فخر لكل عربي، فهو من قاد لأن يوضع هذا السفر التاريخي اللغوي العظيم وبشكل رسمي ضمن مقتنيات أكبر مكتبة أرشيفية في منظمة دولية تعنى بالثقافة والعلم والتربية «اليونسكو»، إقراراً منهم بمدى أهمية هذا المنتج للإنسانية جمعاء، وقاد كذلك لأن يتفضل سموه بالتكفل بإتمام مشروع رقمنة مكتبة أرشيف «اليونسكو» وبشكل كامل والتي كانت قبل مكرمة سموه لم ينجز منها سوى 5%، وستسهم هذه المكرمة في تمكين الباحثين والمطالعين والمهتمين من الوصول إلى تلك الكنوز المعرفية بشكل يسير وسريع.
العلم ونشره والبحث العلمي ودعمه والثقافة والنهوض بها والهوية وحمايتها عوامل مشتركة جمعت ما بين الخليفة المأمون والسلطان المؤتمن.

19 مايو 2025
الارتقاء بالتعليم ارتقاء للمجتمع

مسيرة التعليم العالي في إمارة الشارقة شهدت تطوراً ملحوظاً ونمواً مستداماً، بدءاً من تأسيس جامعتيها «الشارقة» و«الأمريكية» اللتين شكلتا النواة الأولى للمدينة الجامعية في الشارقة، وقد شكل هذا الحدث نقطة تحول مهمة في المشهد الأكاديمي والعلمي بالإمارة. وقد تميزت تلك المدينة بتنوع جامعاتها وكلياتها ومعاهدها التي تتنوع فيها البرامج الأكاديمية ذات معايير الجودة العالمية، وقد استقطبت بذلك آلاف الطلبة من داخل الدولة وخارجها.
وعبرها ترسّخت مكانة الإمارة مركزاً علمياً وثقافياً رائداً في المنطقة. واستمرت الشارقة في الاستثمار في التعليم العالي، بتطوير البنية التحتية، وتشجيع البحث العلمي، وإنشاء مجمعات أكاديمية متكاملة، ما أسهم في تخريج كوادر مؤهلة تسهم في دعم مسيرة التنمية المستدامة في إمارة الشارقة، ودولة الإمارات، ودول الخليج والوطن العربي قاطبة.
العلم يفتح آفاق المعرفة، ويمنح الإنسان القدرة على التفكير النقدي واتخاذ القرارات الصائبة في مختلف مجالات الحياة. ويشكل أداة أساسية للنهوض الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، فبالعلم تُبنى الأمم، وتُصان الهويات، وتتحقق التنمية المستدامة، فكل ذلك يأتي ضمن محاسن العلم وإيجابياته ومآمنه.
ولعل كثراً منا لا يَعون بأن للعلم مخاطر، حيث تكمن خطورته عندما يُفصل عن القيم الأخلاقية والإنسانية، ويُستخدم لأغراض تضرّ بالبشرية. أو توظيفه بشكل غير مسؤول قد يؤدي إلى نتائج كارثية. كما تكمن خطورته في نشر المعلومات المضللة أو غير الدقيقة، ما يؤثر في وعي الأفراد وقراراتهم.
ومن هنا يتضح لنا بأن قرار صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، بإنشاء مجلس في الإمارة يعنى بالتعليم العالي والبحث العلمي، جاء كي يكون مظلة تنظم وتدير وتراقب وترسم سياسات، وتخدم وتدعم وتواصل الارتقاء بمؤسسات التعليم العالي المختلفة في الإمارة، وعبر هذا المجلس سيُقرن العلم بالحكمة، ويُوجَّه لخدمة الخير العام، لضمان أن يبقى وسيلة للبناء لا للهدم، القرار وإن كان قد جاء في نهاية العام الدراسي، فإنه جاء ليؤكد أن التغيير والتطوير والارتقاء بالعملية التعليمية تتطلب عملاً دؤوباً دائماً متواصلاً، لا يرتبط بموسم ولا يرتبط بمستوى دون آخر ولا بفئة دون أخرى.
واستوقفتني كلمة لصاحب السموّ حاكم الشارقة، عند اجتماعه الأول بأعضاء مجلس الشارقة للتعليم العالي والبحث العلمي، حين أشار فيها إلى أن إحدى وسائل الارتقاء بالعلم والتعليم الاهتمام بالمعلم الجامعي، ووجدت بأن ذلك لن يتحقق إلا بتوفير بيئة أكاديمية ومهنية تدعم تطوره العلمي والمهني، وتثمّن دوره المحوري في صناعة الأجيال وبناء المعرفة. فالاهتمام بالمعلم الجامعي استثمار مباشر في جودة التعليم العالي وفي مستقبل الوطن، وفعلاً هو ذاك ما أجده في الشارقة ومؤسساتها التعليمية.
كما يسهم البحث العلمي في حل المشكلات المجتمعية، ويدعم التنمية المستدامة، ويعزز ثقافة الوعي والمعرفة، من ثمّ فإن الاستثمار في البحث العلمي استثمار في المستقبل، ويعكس تطور المجتمعات وقدرتها على التكيف والابتكار والنمو.
كلمة أخرى استرعت انتباهي بعمق ما حملت من معنى، تلك التي تفضل بها سموّ الشيخ سلطان بن محمد بن سلطان القاسمي، ولي عهد ونائب حاكم الشارقة، نائب رئيس مجلس الشارقة للتعليم العالي والبحث العلمي، رغم إيجازها الشديد، فإنها أتت واعية تمام الوعي ومدركة كل الإدراك لكل ما جاد به صاحب السموّ حاكم الشارقة في كلمته خلال اجتماع المجلس، حيث أكدت أن النهج واضح والمنهج قويم والرؤية وضاءة والمستقبل مضاء، والعهد مستمر على ذات النهج والرؤية والتميز، وفق عمل مؤسسي منظم واستثمار مستدام في الإنسان والمعرفة، للارتقاء بالتعليم الذي سيرتقي بالمجتمع.