الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

سباق الدمار بين «أم القنابل».. وأبيها!

23 أكتوبر 2026 00:10 صباحًا | آخر تحديث: 23 أكتوبر 2026 00:11 صباحًا
دقائق القراءة - 3
شارك
share
لعل أخطر ما في تسمية قنبلتين مدمرتين ب«الأم» و«الأب» ليس المفارقة اللغوية وحدها، بل ما تكشفه من مأزق حضاري أعمق.. حين يفشل العقل في إيجاد حلول، تُستَدعى القنابل لتتولى الحوار. وحين تعجز السياسة عن إدارة الخلاف، تتقدم الجيوش لإدارته بالنار، وكأن ما عجزت عنه الكلمات تستطيع المتفجرات تحقيقه.
فالحرب في جوهرها، ليست قوة، بل قد تكون الإعلان الأكثر دموية عن فشل السياسة والعقل والمنطق. فشل في التفاوض، وفي احتواء الأزمات، وفي إدراك أن الخصومة مهما اشتدت لا تستوجب تحويل المدن إلى مقابر والأوطان إلى ركام والأجيال إلى ضحايا. صحيح أن التاريخ عرف حروباً فُرِضت على شعوب للدفاع عن وجودها، لكن الحروب التي تختار القنابل، بدل الحوار تصبح كلفتها الإنسانية أكبر من أي مكسب سياسي، وتكشف عن فشل القرار في التمييز بين امتلاك القوة وحكمة استعمالها. فليس كل من يستطيع إشعال حرب قادراً على إنهائها.
وفي سباق الدمار الذي فاق بتمويله وتحديه سباق البناء وتطوير المجتمعات، أطلقت أمريكا على قنبلتها العملاقة اسم «أم القنابل»، وردت روسيا بما عرف باسم «أبو القنابل». المفارقة هنا تتجاوز التنافس العسكري بين القوتين. لقد أصبحت مفردات الأسرة، التي يُفترض أن تحمي الحياة، جزءاً من قاموس الموت. وكأن العالم الذي أخفق في بناء عائلة إنسانية تتعايش بسلام، نجح في بناء عائلة من المتفجرات تتنافس في الفتك بالبشر.
بعد مأساة هيروشيما، كان يُفترض أن تكون درساً نهائياً في حدود القوة العسكرية، وأن يتحول الرعب النووي إلى حافز لبناء نظام دولي يمنع تكرار المأساة، لكن ما حدث أن العالم دخل سباقاً طويلاً للتسلح، تطورت فيه الأسلحة النووية والتقليدية. وفي مطلع القرن الحالي، ظهر نوع جديد من التنافس على الأسلحة التقليدية فائقة القدرة التدميرية، تجسد في قنبلتين حملتا اسمين مستعارين من أكثر العلاقات الإنسانية قرباً: الأم والأب.
«أم القنابل» الأمريكية كُشِف عنها عام 2003 وأعلن أن وزنها يبلغ 9.8 طن. وتصل قوتها التفجيرية إلى ما يعادل 11 طناً من مادة «تي أن تي» وهي قنبلة موجّهة بالأقمار الصناعية، صُمِمت لإحداث انفجار هوائي شديد التأثير فوق مساحة واسعة. وكانت قد طورت في الفترة التي سبقت غزو العراق في سياق سعي واشنطن إلى امتلاك قوة رادعة تشمل التأثير النفسي في الخصم. وتكشف وثائق سلاح الجو الأمريكي أن تطوير القنبلة جرى بسرعة استثنائية بين أواخر عام 2002 و2003. لكن أول استخدام لها كان في 2017، عندما أسقطتها أمريكا على مجمع أنفاق «داعش» في أفغانستان. لكن استخدام قنبلة بهذا الحجم يطرح سؤالاً يتجاوز الهدف العسكري: هل يحتاج العالم إلى هذا القدر من القوة التفجيرية لتحقيق أهداف تستطيع الوسائل الأقل تدميراً تحقيقها؟
ولم يطل انتظار الروس. ففي سبتمبر 2007 أعلنت موسكو اختبار قنبلة حرارية ضغطية هائلة، عرفت إعلامياً ب«أبو القنابل». وبحسب التصريحات العسكرية الروسية، بلغت قوتها التفجيرية ما يعادل 44 طناً من (تي أن تي)، أي نحو أربعة أضعاف قوة نظيرتها الأمريكية، رغم أن وزنها المُعلن أقل. وتعتمد القنابل الحرارية الضغطية على توليد موجة ضغط وحرارة شديدتين، وتكون آثارها مدمرة. وقد نقلت «رويترز» عن نائب رئيس الأركان الروسي ألكسندر روكشين قوله إن نتائج الاختبار أظهرت قدرة تدميرية يمكن مقارنتها في بعض جوانبها بالسلاح النووي.
وهكذا دخل العالم فصلاً جديداً في سباق استعراض القوة: أمريكا تتحدث عن «أم القنابل» وروسيا تتحدث عن «أبو القنابل». وكأن التنافس بين القوتين لم يعد على من يمتلك مشروعاً أفضل للسلام، بل على من يستطيع إحداث الانفجار الأكبر. وما يجعل الحديث اليوم أكثر إلحاحاً هو عودتها إلى قلب النقاش العسكري المتعلق بالحرب في الشرق الأوسط.
لعل أخطر من القنبلة الاعتياد على فكرة الدمار، فالقصة ليست مجرد تطوير قنابل أكثر قوة، بل الاعتياد على الحديث عنها. أصبحنا نتابع أخبار الأسلحة العملاقة أكثر مما نتابع الاختراعات العلمية. وتكثر الأسئلة: إلى أين يقودنا هذا السباق المُتَزايد على التدمير؟ وكيف أصبحت لغة التهديد أعلى من لغة التفاهم؟ أين ذهبت الدبلوماسية التي وجدت لتمنع الحروب؟ وأين صوت المؤسسات الدولية التي نشأت على أنقاض الحرب العالمية الثانية، بعدما تعهد العالم بألاّ تتكرر المأساة؟
[email protected]
كاتبة وباحثة في الدراسات الإعلامية

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة