لا نحتاج في الخليج إلى استطلاع كي نعرف أن الناس يريدون الهدوء والتفاهم، ولا نحتاج إلى دليل على أن ما يجمعهم أوسع من خلاف عابر أو سجال على منصة.. فقد تملأ الإساءة شاشة الهاتف، وقد تنتشر تغريدة جارحة أسرع من خبر عقلاني، لكن ذلك لا يجعلها رأي الخليج ولا صوته.. الأغلبية التي أراها تريد أن يبقى البيت الخليجي متماسكاً، وأن تظل العلاقة بين أبنائه قائمة على الاحترام، حتى حين تختلف الحكومات أو تتباين المواقف.
من هنا تأتي أهمية رسالة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، فهو لم يدع إلى إلغاء خصوصية الدول، ولا إلى أن تتطابق سياساتها أو تجاربها.. قال إن اختلاف المسارات لا يمنع التقارب، وإن التعاون وإدارة الخلاف يصنعان القوة.. وهذه ليست عبارة مجاملة، إنها تذكير بما نعرفه جميعاً، وبما نحتاج إلى استعادته كلما حاولت منصات التواصل أن تجعل الخصومة هي القاعدة.
الخليجي الذي يكتب اليوم على منصة «X» او «tik tok»أو غيرها من المنصات مسؤول عن الكلمة التي يضعها أمام الناس.. من حقه أن يختلف، وأن ينتقد موقفاً أو قراراً، لكن ليس من حقه أن يحول النقد إلى إساءة لشعب، أو شماتة في مصيبة، أو تعرض لرمز، أو تداول معلومة مضللة يعرف أو لا يعرف مصدرها.. الدفاع عن الوطن لا يحتاج إلى شتم جاره، والولاء لا يثبت بإهانة أبناء الخليج.. بل إن من يسيء باسم بلده يسيء إلى صورته قبل أن يسيء إلى غيره.
وما يثير القلق فيما ممرنا به مؤخراً أن بعض الحسابات لا تكتفي بإشعال الخلاف، بل تعيد نشر روايات غير موثقة، وتقتطع الكلام من سياقه، وتقدم الظن على أنه معلومة.. ثم يدخل آخرون في الرد، فيتحول النقاش إلى سلسلة من الاتهامات، ويصبح كل طرف أسيراً لما نشره الطرف الآخر. بهذه الطريقة، لا يُحل خلاف ولا يُدافع عن مصلحة، بل تتسع المسافة بين شعوب لا تحتاج إلى من يذكرها بما يجمعها بقدر حاجتها إلى من يحمي هذا المشترك من الاستغلال.
والحقيقة التي لا يجب تجاهلها هي أن هناك من يفرحه أن يرى الخليجيين يتخاصمون، ومن يتمنى أن يضعف مجلس التعاون أو يفقد دوره.. ويبدو أن هؤلاء لا يحتاجون إلى بذل جهد كبير إذ تولى أبناء الخليج بأنفسهم تضخيم كل خلاف، وتبادل الإساءة، والتشكيك في النيات.
مجلس التعاون لم يولد لأن الدول الست كانت متطابقة في كل شيء.. فقد تأسس قبل خمسة وأربعين عاماً، على فكرة التنسيق والتكامل وتعميق الروابط بين الشعوب.. وكان الآباء المؤسسون ينظرون إلى ما حولهم، ويدركون أن المنطقة تواجه تحديات لا تستطيع دولة أن تتعامل معها وحدها.. ونذكر جميعاً كلمة الشيخ زايد، رحمه الله، إن «في الاتحاد ووحدة الصف القوة التي لا يدركها الكثيرون».. لم تكن تلك الفكرة إنكاراً للاختلاف، بل استجابة واعية لواقع سياسي وجغرافي يجعل التعاون ضرورة.
وقد أكد قادة المجلس في بيانهم الختامي عام 2025 حرصهم على قوة المجلس وتماسكه، ووحدة الصف، ومزيد من التنسيق والتكامل، بما يحقق تطلعات المواطنين، كما شددوا على أن أمن دول المجلس كل لا يتجزأ.. هذا موقف معلن من قادة الدول، ومعناه واضح.
نحن اليوم في مرحلة فارقة، والمنطقة تقف أمام احتمالات صعبة ومتغيرات متسارعة.. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون العناد فضيلة، ولا يصبح التمسك بالموقف غاية بحد ذاته.. والحكمة أن نعرف متى نختلف، وكيف نختلف، ومتى نضع الخلاف جانباً لنبحث عن مصلحة أوسع.. ليس المطلوب أن يذوب أحد في الآخر، ولا أن يتفق الخليجيون على كل تفصيل، المطلوب أن نتفق على الاحترام، وعلى صون مجلس التعاون الخليجي، وعلى أن أمن دولنا واستقرار شعوبنا مصلحة مشتركة.
رسالة محمد بن راشد تضع أمامنا هذا الاختيار ببساطة: هل نترك منصات التواصل تجرنا إلى الخصومة، أم نستخدمها لنقرب المسافات ونرفع مستوى النقاش؟ كل مغرد يستطيع أن يختار.. يستطيع أن يتحقق قبل أن يعيد النشر، وأن ينتقد من دون تجريح، وأن يرفض الشائعة حتى لو وافقت موقفه، وأن يوقف سجالاً لا ينتج إلا مزيداً من الغضب.. هذه أفعال صغيرة، لكنها تصنع فارقاً حين تصبح سلوكاً عاماً.
لقد بنى الآباء قبل نحو نصف قرن إطاراً للتعاون لأنهم قرأوا تحديات زمنهم وفكروا في الأجيال التي ستأتي بعدهم.. ومن حق الأجيال الحالية أن تختلف في الرأي، لكن عليها أيضاً أن تتحمل مسؤولية ما ورثته وما ستتركه.. لا نحتاج إلى تضخيم نقاط الخلاف، نحتاج إلى تضخيم الإنجازات، والاتفاقات، والمشتركات، وإلى البناء عليها بهدوء وبصيرة.. الخليج لا يخلو من خلاف، لكنه لا ينبغي أن يخلو من الحكمة.. وحين نضع المصلحة المشتركة فوق رغبة الانتصار في سجال، نكون أوفياء لما بناه الآباء، وأقدر على حماية مستقبل أبنائنا.
* كاتب صحفي
