مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، بدأ الأمريكيون- من مختلف التوجهات السياسية- في مساءلة عمالقة التقنية حول دور الذكاء الاصطناعي في شتى المجالات، بدءاً من اقتصاديات القوى العاملة وصولاً إلى مراكز البيانات الموجودة في أحيائهم.
ولكن في ظل موجات الحر القياسية التي شهدها هذا الصيف، تركزت الانتقادات بشكل متزايد على التداعيات المناخية واستهلاك الطاقة المرتبط بالذكاء الاصطناعي، إذ أدى تزايد الطلب على الطاقة لتشغيل مراكز البيانات إلى رفع أسعار الكهرباء للمستهلكين بنسبة 27% منذ عام 2019، فضلاً عن زيادة الانبعاثات.ورغم كل هذا، فإن الشركات الأعلى قيمة في العالم لا تزال متخاذلة في العمل على الحد من تسرب الميثان الناتج عن الغاز الطبيعي، الذي يُعد مصدراً رئيسياً للطاقة في مراكز البيانات الأمريكية.
يتسبب الميثان في نحو ثلث ظاهرة الاحتباس الحراري، وتفوق قدرة جزيئه الواحد على تسخين الكوكب قدرة جزيء ثاني أكسيد الكربون بثمانين ضعفاً. ولحسن الحظ، يتلاشى الميثان بسرعة في الغلاف الجوي، لذا فإن الحد من تسربه يمنع ارتفاع درجات الحرارة العالمية بمقدار نصف درجة فهرنهايت على الأقل بحلول أربعينات القرن الحالي، ما يحد من الاحترار بشكل أكبر مما تحققه تخفيضات ثاني أكسيد الكربون خلال العقدين المقبلين الحاسمين. وهذا يجعل من خفض انبعاثات الميثان أسرع وسيلة للحد من الاحترار العالمي.
تدرك شركات الغاز ومرافق الكهرباء كيفية منع تسرب الميثان بتكلفة زهيدة، فالأمر لا يتطلب تقنيات معقدة أو «علماً معقداً». يكفي التوقف عن عمليات تنفيس الغاز وحرقه (الإشعال)، واستبدال المعدات القديمة المسببة للتسرب بصمامات وضواغط وخطوط أنابيب جديدة قادرة على منع التسرب بالكامل تقريباً، بحيث لا تتجاوز نسبته 0.25% من إجمالي حجم الغاز.
غير أن أطرافاً في هذه الصناعات تدرك حاجتها إلى أسواق وعقود ضخمة ومخصصة للغاز منخفض الميثان للغاية -أو ما يُعرف ب «الغاز المتميز» للبدء في إنتاجه على نطاق واسع. وفي غضون ذلك، تواصل هذه الشركات السماح بحدوث تسربات كبيرة للميثان.
تمتلك شركات التقنية الكبرى القدرة على معالجة هذه المشكلة بسرعة، إذ يمكنها إنشاء أسواق جديدة للغاز المتميز، وإلزام شركات المرافق وقطاع الغاز بتوريد غاز منخفض الميثان لجميع مراكز البيانات التابعة لها. ومع ذلك، وفي ظل هذا الوضع، تطلق شركات التقنية وعوداً مشكوكاً في مصداقيتها بشأن تحقيق «صافي انبعاثات صفري».
في الواقع، تضاعف عدد مراكز البيانات التي تعمل بالغاز- سواء قيد الإنشاء أو المخطط لها- خلال الأشهر الستة الماضية فقط، حيث قفز الطلب المقترح من 7 جيجاوات فقط في عام 2024 إلى 189 جيجاوات هذا العام (علماً بأن الجيجاوات الواحد يكفي لتزويد حوالي مليون منزل بالطاقة). وحتى لو تم تنفيذ نصف المشاريع المخطط لها فقط، فإنها ستمثل أكبر زيادة في الطلب على الغاز وانبعاثات الميثان في الاقتصاد الأمريكي خلال السنوات القادمة.
وتقوم العديد من شركات التقنية ببناء محطات جديدة لتوليد الطاقة بالغاز خارج نطاق الشبكة الكهربائية العامة، بدعوى أن ذلك سيقلل من التأثير المباشر في أسعار الكهرباء للمستهلكين، إلا أنها لا تزال لا تبذل جهداً كافياً لمعالجة مشكلة الميثان. ففي ولاية تكساس، تعمل شركة أمازون على بناء محطة ضخمة لتوليد الطاقة بالغاز «خلف الشبكة» (أي مستقلة عنها) لتغذية مركز بيانات هائل، ومن شأن هذه المحطة أن تصبح أكبر مصدر منفرد للتلوث المناخي في الولايات المتحدة.
كما تَعِد شركات التقنية- دون أدلة واضحة- بأن الذكاء الاصطناعي نفسه سيساعد في الحد من الانبعاثات على المدى الطويل من خلال الاستخدام الأكثر كفاءة للطاقة وابتكار تقنيات جديدة وأنظف. ولكن في غضون ذلك، تستمر انبعاثات الذكاء الاصطناعي الحالية والمستقبلية القريبة في الارتفاع، في حين يؤكد كبار علماء المناخ ضرورة الحد من ارتفاع درجات الحرارة خلال العقدين المقبلين لضمان فرصة تجنب العديد من الآثار المناخية الحادة.
ويمكن لشركات التقنية أيضاً الاستعانة بمزيد من مصادر الطاقة المتجددة وتقنيات تخزين الكهرباء-التي أصبحت تكلفتها منخفضة بشكل متزايد- فضلاً عن أشكال أخرى لتوليد الكهرباء منخفضة الانبعاثات أو الخالية منها تماماً. غير أن الغاز سيُستخدم حتماً لتشغيل جزء من أنظمة الذكاء الاصطناعي - لا سيما خلال العقد المقبل الذي سيشهد أسرع معدلات نمو لهذا المجال - ولذا يتعين أن تكون انبعاثات هذا الغاز عند أدنى مستوى ممكن.
تتنامى عالمياً التوجهات الرامية إلى خفض انبعاثات غاز الميثان إلى مستويات متدنية للغاية. إذ ستفرض لوائح الاتحاد الأوروبي الجديدة على مصدري الغاز الطبيعي المسال الأمريكيين (الذين يزودون الاتحاد بمعظم احتياجاته من الغاز) الالتزام بمعايير صارمة لخفض معدلات تسرب الميثان.
خلال ولايته الثانية، أرجأ الرئيس ترامب تطبيق القواعد الرامية للحد من انبعاثات الميثان، وهي قواعد كانت ترغب العديد من شركات النفط والغاز في الإبقاء عليها، نظراً لإدراك الشركات الكبرى أن خفض انبعاثات الميثان أمر حيوي لمستقبل قطاع الغاز. ومع ذلك، إذا مارست الشركات التقنية الكبرى ضغوطاً لاتخاذ إجراءات مباشرة، فيمكن للأسواق تجاوز الاعتبارات السياسية وخفض الانبعاثات فوراً.
* رئيس شركة «بليدسو وشركاه» للاستشارات الاقتصادية، عمل في فريق البيت الأبيض المعني بتغير المناخ (ريال كلير إنرجي)
