يدخل الحوار العالمي حول الاستدامة مرحلة جديدة؛ فلم يعد السؤال يقتصر على ما إذا كان ينبغي للحكومات والشركات السعي لتحقيق الحياد المناخي، بل أصبح يتمحور حول كيفية توظيف رؤوس الأموال اللازمة لتحقيق هذا التحول بفعالية، وتحويل الطموحات المناخية إلى مشاريع واستثمارات قابلة للتوسع وقادرة على تحقيق أثر ملموس.
وتقدم دولة الإمارات نموذجاً مهماً في هذا المجال. فمن المتوقع أن تسهم استراتيجية الإمارات للحياد المناخي 2050 في توفير نحو 200 ألف فرصة عمل في قطاعات الطاقة الشمسية والبطاريات والهيدروجين، إلى جانب المساهمة بنحو 3% في الناتج المحلي الإجمالي للدولة.
وفي الوقت ذاته، تستهدف استراتيجية الإمارات للطاقة 2050 استثمارات تتراوح بين 150 و200 مليار درهم بحلول عام 2030، بالتوازي مع العمل على مضاعفة مساهمة الطاقة المتجددة ثلاث مرات.
وتعكس هذه الأرقام حقيقة مهمة: الاستدامة لم تعد مجرد أجندة بيئية، بل أصبحت بشكل متزايد أجندة اقتصادية واستثمارية ترتبط بالنمو، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز تنافسية القطاعات الصناعية، وخلق فرص اقتصادية جديدة.
وبالنسبة للمستثمرين، فإن هذا التحول يعيد صياغة الطريقة التي ينبغي من خلالها تقييم الفرص الاستثمارية.
فتوليد الطاقة النظيفة لا يمثل سوى جزء من المعادلة، إذ ستكون هناك حاجة أيضاً إلى توجيه رؤوس الأموال نحو إزالة الكربون من القطاعات الصناعية، وإعادة التدوير، وإدارة النفايات، وكفاءة الطاقة، والمواد المتقدمة، والتنقل الكهربائي، إضافة إلى البنية التحتية التي تربط بين هذه القطاعات.
ويقدم مشروع ورسان لتحويل النفايات إلى طاقة في دبي مثالاً عملياً على كيفية تحويل التحديات البيئية إلى بنية تحتية قادرة على خلق قيمة اقتصادية وبيئية في الوقت ذاته.
فالمنشأة، التي تعد أكبر منشأة في العالم لتحويل النفايات إلى طاقة، تتمتع بقدرة معالجة تصل إلى 1.9 مليون طن من النفايات سنوياً.
ومن خلال تحويل النفايات إلى مصدر للطاقة، تولد المنشأة 215 ميجاواط من الكهرباء، يتم تصدير 193 ميجاواط منها إلى شبكة هيئة كهرباء ومياه دبي، بما يسهم في توفير الطاقة لما يقارب 135 ألف منزل يومياً.
ولا يقتصر أثر المشروع على إنتاج الطاقة فحسب، إذ تصل كفاءة تشغيل المنشأة إلى 34%، وهي الأعلى عالمياً بين منشآت تحويل النفايات إلى طاقة، كما يسهم المشروع في تحويل نحو45% من النفايات الصلبة في دبي بعيداً عن المكبات. وعلى المستوى البيئي، يساعد المشروع على تجنب نحو 2.2 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنوياً.
وتوضح هذه الأرقام كيف يمكن لمبادئ الاقتصاد الدائري أن تتحول من مفهوم بيئي إلى نموذج استثماري وبنية تحتية واسعة النطاق تحقق أثراً قابلاً للقياس. فبدلاً من النظر إلى النفايات باعتبارها عبئاً بيئياً فقط، يمكن إعادة توظيفها كمورد يسهم في إنتاج الطاقة، وتقليل الاعتماد على المكبات، وخفض الانبعاثات، وخلق قيمة اقتصاديــة طويلة الأجل.
وهذا النوع من المشاريع يعكس بصورة واضحة المرحلة المقبلة من الاستثمار المستدام فيصبح رأس مال يتم توجيهه إلى حلول تحقق في الوقت ذاته عائداً اقتصادياً وأثراً بيئياً ملموساً.
ومن هنا، فإن الجيل القادم من الاستثمارات المستدامة الناجحة سيحتاج إلى تحقيق هدفين متوازيين: إحداث أثر بيئي قابل للقياس وتحقيق عوائد تجارية مستدامة.
وفي دوبال القابضة، يشكل هذا المبدأ جزءاً أساسياً من رؤيتنا للاستثمار طويل الأجل. فالاستدامة لا ينبغي أن تكون عنصراً منفصلاً عن الجدوى الاستثمارية، بل يجب أن تسهم بصورة متزايدة في تعزيزها.
إن الفرصة الحقيقية تكمن في القدرة على تحديد القطاعات والتقنيات والمشاريع التي يمكنها الاستجابة للتحديات البيئية، وفي الوقت ذاته بناء نماذج أعمال قابلة للنمو والاستمرار.
وسيتطلب الانتقال نحو اقتصاد منخفض الكربون مستوى غير مسبوق من التعاون بين الحكومات والمستثمرين وشركات التكنولوجيا والقطاعات الصناعية. فالحكومة تستطيع توفير السياسات والأطر التنظيمية، والتكنولوجيا توفر الحلول، والقطاع الصناعي يوفر نطاق التطبيق، بينما يوفر رأس المال القدرة على تحويل هذه الحلول إلى مشاريع واسعة النطاق.
وقد أرست دولة الإمارات بالفعل جانباً كبيراً من الأطر والسياسات اللازمة لتحقيق هذا التحول. وتتمثل الفرصة المقبلة في تحويل هذا الطموح إلى شركات وبنى تحتية وتقنيات قابلة للتوسع والنمو.
ومشاريع مثل ورسان لتحويل النفايات إلى طاقة تقدم نموذجاً واضحاً لما يمكن تحقيقه عندما تتكامل الرؤية الحكومية مع الاستثمار والتكنولوجيا والبنية التحتية.
وبالنسبة للمستثمرين الذين يتبنون رؤية طويلة الأجل، ينبغي النظر إلى التحول الأخضر ليس باعتباره مجرد التزام بيئي، بل باعتباره إحدى أبرز الفرص الاستثمارية التي ستشكل ملامح العقود المقبلة.
وفي هذه المرحلة، لن يكون السؤال فقط عن حجم رأس المال المتاح، بل عن مدى قدرتنا على توجيهه نحو الفرص التي تستطيع تحويل الطموحات المناخية إلى قيمة اقتصادية وبيئية ومجتمعية مستدامة.
* الرئيس التنفيذي لـ «دوبال القابضة»
