الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

أوروبا تحاكي الضربة النووية.. من يستلم الرسالة؟

24 أكتوبر 2026 15:52 مساء | آخر تحديث: 24 أكتوبر 2026 16:23 مساء
دقائق القراءة - 4
شارك
share
أوروبا تحاكي الضربة النووية.. من يستلم الرسالة؟
icon الخلاصة icon
بريطانيا ترافق «رافال» في تدريب يحاكي ضربة نووية فرنسية لتعزيز التنسيق النووي مع باريس وسط مخاوف روسيا وتساؤلات عن المظلة الأمريكية
على أجنحة الحذر المترقب، ينسج ليل الحسابات الاستراتيجية سحباً من حديد، ليوقظ في مهد القارة الأوروبية هواجس الحرب والردع، إذ شاركت مقاتلات بريطانية، للمرة الأولى في التاريخ، في مناورة عسكرية شملت التدريب على محاكاة تنفيذ ضربة نووية فرنسية، في خطوة غير مسبوقة تعكس مساعي لندن وباريس لتعزيز التنسيق والتعاون بين ترسانتيهما النوويتين، وتفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات استراتيجية بشأن إمكانية بناء منظومة ردع نووي أوروبي أكثر استقلالاً عن المظلة الأمنية للولايات المتحدة.

تدريبات نووية

وأعلنت وزارتا الدفاع البريطانية والفرنسية، الجمعة، أن مقاتلات من طراز «تايفون» التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني رافقت مقاتلات «رافال» التابعة للجيش الفرنسي خلال تدريب استراتيجي أُطلق عليه اسم «Rummy»، والذي أُجري على مدار يومي 20 و21 أكتوبر/ تشرين الأول، فوق مياه بحر المتوسط.
وانطلقت الطائرات المشاركة من قاعدة «سان ديزييه» الجوية الواقعة شمال شرقي فرنسا، حيث نفذت المقاتلات الفرنسية مهمة افتراضية لضربة نووية استراتيجية، بينما تولت المقاتلات البريطانية مهام المرافقة والحماية الجوية المباشرة، مع التأكيد الرسمي على أن التدريب لم يتضمن استخدام أو حمل أسلحة نووية فعلية.
ورغم أن المناورة الجوية لم تشهد مشاركة الأطقم البريطانية في حمل أو إطلاق السلاح النووي، فإنها تشكل انتقالاً جوهرياً ومحورياً من مستوى التنسيق السياسي بين القوتين النوويتين الوحيدتين في القارة الأوروبية إلى مستوى التعاون العملياتي المباشر في مهام الردع الاستراتيجي.

إعلان نورثوود

تأتي هذه المناورة الميدانية تنفيذاً عملياً لـ«إعلان نورثوود» الاستراتيجي، الذي وقعه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في شهر يوليو/ تموز من عام 2025، والذي نص بوضوح على تعزيز التنسيق بين القدرات النووية للبلدين مع الاحتفاظ التام باستقلال القرار الوطني لكل منهما.
وأنشأ الاتفاق مجموعة توجيه نووية مشتركة بهدف تنسيق السياسات والقدرات والعمليات العسكرية، انطلاقاً من قناعة راسخة لدى البلدين بأن أي تهديد بالغ الخطورة يمس أمن القارة الأوروبية سيستدعي بالضرورة استجابة متناسقة منهما.
وتُعد هذه المشاركة امتداداً لمسار تراكمي، ففي شهر ديسمبر/ كانون الأول الماضي، حضر مسؤولون عسكريون بريطانيون للمرة الأولى تدريباً فرنسياً يحاكي ضربة نووية بصفة مراقبين، قبل أن تتطور هذه المشاركة هذا الأسبوع إلى مرافقة جوية وحماية عملياتية فعلية.
وفي هذا السياق، أكدت وزيرة القوات المسلحة الفرنسية، كاثرين فوتران، أن امتلاك القوتين لترسانتين نوويتين مستقلتين لا يمنع التنسيق العسكري بينهما، معتبرة أن هذا التعاون يعزز مساهمتهما المباشرة في حماية أمن أوروبا ودعم حلف شمال الأطلسي (الناتو).

دوافع البحث عن ردع خاص

يأتي هذا التقارب النووي المكثف بين باريس ولندن في وقت تتزايد فيه المخاوف الأمنية الأوروبية من التهديدات الروسية، خاصة مع استمرار الحرب في أوكرانيا وتصاعد الخطاب السياسي والعسكري المتعلق بإمكانية استخدام الأسلحة النووية.
كما تدفع التساؤلات المتزايدة بشأن مستقبل الالتزامات الأمنية الأمريكية والدعم الاستراتيجي لواشنطن بعض العواصم الأوروبية إلى البحث الجاد عن وسائل ذاتية لتعزيز قدراتها الدفاعية دون الاعتماد الكلي على الولايات المتحدة.

قدرات متكاملة

وتكتسب فرنسا وبريطانيا أهمية حصرية في هذا الملف باعتبارهما الدولتين الأوروبيتين الوحيدتين اللتين تمتلكان السلاح النووي (بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي).
وتتميز قدراتهما بالتكامل العملياتي المباشر،حيث تعتمد الترسانة البريطانية أساساً على الغواصات البحرية المزودة بصواريخ باليستية نووية من طراز «ترايدنت»، بينما تمتلك فرنسا قوة ردع ثنائية تتكون من أسطول بحري وقوة جوية تستخدم مقاتلات «رافال» القادرة على حمل وإطلاق صواريخ نووية.
ويوفر هذا التباين الشكلي مجالات واسعة للتكامل الميداني، إذ توفر المقاتلات البريطانية الحماية الجوية لمهام الردع الفرنسية دون الدخول المباشر في منظومة إطلاق السلاح النووي نفسه.

حدود المظلة النووية وتحديات الاستقلالية

رغم الأهمية الاستراتيجية والميدانية لهذه المناورة، فإنها لا تعني في الوقت الحالي ولادة قوة نووية أوروبية موحدة، أو نقل صلاحيات قرار إطلاق السلاح النووي إلى قيادة عسكرية مشتركة.
فقرار استخدام الترسانة الفرنسية يظل أمراً حصرياً بيد الرئيس الفرنسي، في حين تحتفظ الحكومة البريطانية بالسلطة السياسية والوطنية المطلقة على أسلحتها النووية. كما أن هذا التعاون لا يُطرح كبديل معلن عن المظلة الأمريكية ضمن هيكلية الناتو، بل يُقدم من قِبل لندن وباريس كدعم إضافي وتكامل تعزيزي لقدرات الحلف الأطلسي.
وتبرز هنا إشكالية استراتيجية ومعقدة وهي إمكانية أن تقدم بريطانيا وإلى جانبها فرنسا ضمانات نووية موثوقة وشاملة لبقية الدول الأوروبية دون إيجاد آلية سياسية وعسكرية مشتركة لاتخاذ قرار استخدام هذه الأسلحة وتزداد الإجابة صعوبة في ظل تباين المصالح الاستراتيجية بين العواصم الأوروبية، واعتماد جزء كبير منها على القدرات الأمريكية الشاملة في مجالات الإنذار المبكر، والاستخبارات، والدفاع الجوي، والأسلحة النووية التكتيكية.

أفق المسار الأوروبي الجديد

ولا تقتصر التحركات الفرنسية على الجانب البريطاني فقط، إذ طرحت باريس خلال هذا العام تصوراً يهدف لتوسيع مشاركة الحلفاء الأوروبيين في أنشطة الردع الاستراتيجي، بما يشمل التدريبات والتعاون العسكري التقليدي المرتبط بحماية القوات النووية.
وتشارك ألمانيا بفاعلية في هذا المسار، خاصة بعدما نفذت مقاتلات فرنسية وألمانية أنشطة جوية مشتركة خلال صيف هذا العام.
ومع ذلك، فإن الانتقال من مرحلة التدريبات الجوية المشتركة إلى مرحلة بناء منظومة ردع نووي أوروبية مستقلة تماماً يتطلب توافقاً سياسياً كبيراً بين دول القارة، وتحديد الجغرافيا والدول التي ستشملها هذه الضمانات، وإرشاد آليات إدارة الأزمات وحدود المسؤولية السياسية عن أي قرار باستخدام السلاح النووي.
وبذلك، تعكس المناورة البريطانية الفرنسية خطوة عملية ومتقدمة نحو تعزيز البعد الأوروبي للردع الاستراتيجي، لكنها لا تعني بالضرورة الانفصال الكامل أو الاستغناء عن الشريك الأمريكي.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة