في «مؤتمر يالطا» الذي عقد في ذروة الحرب العالمية الثانية بقصر ليفاديا، في شبه جزيرة القرم ما بين 4 و11 فيراير (شباط) 1945، بمشاركة القادة الحلفاء الثلاثة، الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين، والرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، تغيّر وجه العالم استعداداً لقيام نظام دولي جديد، تم فيه الاتفاق على تقسيم ألمانيا إلى أربع مناطق، وتعديل حدود بولندا، وإجراء انتخابات ديمقراطية في أوروبا، وتعهد ستالين بدخول الحرب ضد اليابان بعد مرور ثلاثة أشهر على هزيمة ألمانيا، مقابل حصول الاتحاد السوفييتي على جزر الكوريل، وامتيازات إقليمية في آسيا، والاتفاق على تأسيس الأمم المتحدة، مع إقرار مبدأ «حق الفيتو» (النقض) للدول الخمس الكبرى في مجلس الأمن.
وعلى الرغم من أن منطقة الشرق الأوسط لم تشكل المحور الأساسي للمؤتمر، إلا أن نقاشات جانبية دارت حول فلسطين ومصيرها، حيث أبدى الرئيس الأمريكي روزفلت تأييده لفكرة إنشاء دولة يهودية وفقاً للوعد الذي كان أطلقه وزير الخارجية البريطاني بلفور، عام 1917.
في «مؤتمر يالطا» تم الاتفاق على تقاسم مناطق النفوذ، ومن بعده تكرست الثنائية القطبية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، إلى حين تفكك الأخير عام 1991، وتسيّدت الولايات المتحدة بعد ذلك، وحتى الآن، عرش النظام الدولي الذي بات يواجه تحديات، جيوسياسية واقتصادية وتكنولوجية، متسارعة تهز أركانه، وتدفع بالعالم نحو تعددية الأقطاب، جراء نزعة الهيمنة المطلقة التي تمارسها الولايات المتحدة، وفشلها في إدارة الأزمات العالمية، بل والعمل على تسعيرها، ما جعل النظام الدولي الحالي غير قابل للحياة، مع صعود قوى منافسة، مثل الصين وروسيا، وقوى وسطى مثل الهند وتركيا والبرازيل ودول الخليج، وبروز تكتلات مالية واقتصادية موازية، مثل مجموعة «البريكس» و«منظمة شنغهاي»، وتراجع الثقة داخل المعسكر الغربي على ضفتي الأطلسي.
لذلك، تأتي الدعوة التي أطلقها الكرملين، مؤخراً، لعقد اجتماع ثلاثي بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والزعيم الصيني شي جين بينغ، على هامش منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك)، في مدينة شينزن الصينية، يومَي 18 و19 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بهدف صياغة توازنات دولية جديدة، متشابهة إلى حد بعيد- في حال تم الاتفاق على عقد اللقاء - مع «مؤتمر يالطا» الذي عقد قبل 81 عاماً، مع فارق الزمان والمكان.
الرئيس الأمريكي أبدى انفتاحاً على الفكرة، لكنه لم يتخذ قراراً نهائياً بعد، في حين أن الصين تلزم الصمت حتى الآن، لكنها لا تمانع في استضافة اللقاء في حال وافقت واشنطن.
عندما يجتمع الكبار معاً فإن القضايا الكبرى سوف تطرح على الطاولة، وتنتهي بقرارات كبرى في حال توفرت قناعة بأن النظام الدولي الحالي لم يعُد صالحاً لمواجهة الأزمات العالمية المتفاقمة، ولا بد بالتالي من العمل على التوصل إلى حلول لها قبل أن تخرج عن السيطرة.
هناك حروب على الساحة الأوروبية في أوكرانيا تهدّد بالتوسع، مع تلويح باللجوء إلى السلاح النووي، وهناك حروب في الشرق الأوسط لا تقل خطورة، ففي فلسطين تمارس إسرائيل حرب إبادة مكشوفة، وتوسع، واستيطان، وتهجير، وفي منطقة الخليج هناك حرب مع إيران أدت إلى أزمة اقتصادية عالمية، جرّاء أغلاق مضيق هرمز، وهناك حرب في اليمن تهدّد الملاحة في باب المندب، وهناك الملف النووي الذي يؤرق العالم جراء غياب الإطار القانوني الذي ينظم مجال الاستقرار الإستراتيجي.
وستظل النتائج المحتملة رهن قدرة الأطراف الثلاثة على تجاوز خلافاتها، وتحديد إطار مشترك للمفاوضات، وذلك يحتاج إلى جهد وإعداد لا بد من توافرهما. لكن على العالم أن يستعد إلى وضع دولي جديد، في حال انعقاد المؤتمر ونجاحه.