الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الاستدامة بين المناخ والعدالة والقيادة

24 أكتوبر 2026 00:02 صباحًا | آخر تحديث: 24 أكتوبر 2026 00:02 صباحًا
دقائق القراءة - 3
شارك
share
في إحدى محاضراتي العامة مع أبنائي الطلبة في إحدى الجامعات الحكومية، سألني أحد الطلبة الحضور سؤالاً بدا بسيطاً في ظاهره، لكنه يحمل عمقاً كبيراً في دلالاته: لماذا نربط الاستدامة دائماً بتغير المناخ، حتى عندما نتحدث عن القيادة، التعليم، الصحة العامة، أو الحوكمة؟ كان هذا السؤال نقطة انطلاق مهمة لفهم التحول العالمي في معنى الاستدامة، وكيف أصبح المناخ بوابتها الكبرى، على الرغم من أن الاستدامة مفهوم أشمل بكثير من البيئة وحدها.
لقد أصبح تغيّر المناخ خلال العقدين الماضيين المدخل الأساسي الذي أعاد تشكيل وعي العالم تجاه الاستدامة. فحين ارتفعت درجات الحرارة العالمية بمقدار 1.1 درجة مئوية، وتزايدت الكوارث الطبيعية بنسبة 83% خلال الأربعين عاماً الماضية، وتحوّلت أنماط الأمراض، أدركت الحكومات والمؤسسات أن هذه الظواهر لا تهدّد البيئة فقط؛ بل تهدّد استدامة الأنظمة البشرية نفسها: الغذاء، الماء، الصحة، الاقتصاد، والحوكمة. ومع هذا الإدراك، ترسّخ في الوعي العام أن الاستدامة مرتبطة بالمناخ، لأن المناخ أصبح التهديد الأكبر لقدرة المجتمعات على الاستمرار عبر الزمن.
لكن الاستدامة ليست مفهوماً بيئياً فقط؛ إنها طريقة تفكير في إدارة المستقبل. في القيادة، تعني القدرة على اتخاذ قرارات طويلة المدى، مبنية على بيانات، تتجاوز ردود الفعل اللحظية، وتبني قدرة المجتمع على الصمود أمام الصدمات. في التعليم، تعني إعداد جيل قادر على التعامل مع عالم سريع التغير، بيئياً واقتصادياً وتقنياً. وفي الصحة العامة، تعني بناء أنظمة قادرة على مواجهة موجات الحر، التلوث، الأمراض الجديدة، وانقطاع سلاسل الإمداد الصحية. أما في الحوكمة، فتعني قدرة الدولة على إدارة الموارد، المخاطر، والفرص بطريقة تضمن استمرار الخدمات، العدالة، والاستقرار الاجتماعي.
وهنا يظهر الرابط العميق بين الاستدامة والعدالة الاجتماعية. فالتغير المناخي لا يؤثر في الجميع بالتساوي؛ الأسر ذات الدخل المحدود تتأثر أكثر بموجات الحر، وتلوّث الهواء، وارتفاع أسعار الغذاء، وانقطاع الخدمات الصحية. وعندما تتسع الفجوة بين الفئات الاجتماعية، تصبح المجتمعات أقل قدرة على الصمود أمام الأزمات. لذلك أصبحت العدالة الاجتماعية جزءاً أساسياً من الاستدامة.
وإذا عدنا إلى ابن خلدون، نجد أن هذا المفهوم ليس جديداً. فقد قدّم قبل أكثر من ستة قرون رؤية عميقة لما نسميه اليوم الاستدامة. قال إن عمران الدولة يقوم على ثلاثة أعمدة: العدل، الإنتاج، والتضامن الاجتماعي. هذه الأعمدة هي نفسها التي ترتكز عليها الاستدامة الحديثة. فالعدل هو العدالة الاجتماعية، والإنتاج هو الاقتصاد المستدام، والتضامن هو قدرة المجتمع على الصمود أمام التغيرّات. تغيّر المناخ أعاد إحياء هذه الفكرة الخلدونية، لأن المجتمعات التي تفتقد أحد هذه الأعمدة تصبح أكثر هشاشة أمام الأزمات البيئية والاقتصادية. ابن خلدون لم يستخدم كلمة الاستدامة، لكنه وصف جوهرها بدقة حين قال إن الدولة التي يختل فيها العدل يختل عمرانها، والدولة التي يضعف إنتاجها يضعف اقتصادها، والدولة التي يتراجع تضامنها تتفكك عند أول أزمة.
وفي هذا السياق، تقدم دولة الإمارات نموذجاً عالمياً في استدامة القيادة، ليس في المناخ فقط؛ بل في الحوكمة، الصحة، والتعليم. فقد كانت الإمارات أول دولة في المنطقة تتعهد بالحياد المناخي بحلول عام 2050، واستثمرت أكثر من 50 مليار دولار في مشاريع الطاقة النظيفة في أكثر من 70 دولة، ووسّعت قدرتها المحلية لتصل إلى 14 جيجاواط من الطاقة النظيفة بحلول 2030. هذه الأرقام ليست مجرد مشاريع بيئية؛ إنها تعبير عن قيادة تستشرف المستقبل، وتبني قدرة الدولة على الاستمرار في عالم يتغير بسرعة. وفي الصحة العامة، أثبتت الإمارات خلال الجائحة قدرة نظامها الصحي على الصمود، وهي اليوم تستعد لمواجهة الأمراض المرتبطة بالمناخ، من الإجهاد الحراري إلى الأمراض التنفسية. وفي التعليم، دمجت الاستدامة في المناهج، وفتحت المجال أمام البحث العلمي في مجالات المناخ، الصحة، والحوكمة، لتُعِدّ جيلاً قادراً على التعامل مع عالم متغير.
أما في الحوكمة، فقد تبنت الإمارات نموذجاً استشرافياً يعتمد على البيانات، الابتكار، والتخطيط بعيد المدى، كما يظهر في استراتيجية الذكاء الاصطناعي، الاقتصاد الدائري، واستراتيجيات الأمن الغذائي والمائي. هذه السياسات ليست مجرّد خطط حكومية؛ إنها استدامة قيادية تعكس رؤية طويلة المدى، وتُجسّد ما وصفه ابن خلدون بـ«قوة الدولة في حسن تدبيرها».
إن السؤال الذي طرحه الطالب لم يكن عن الاستدامة فقط؛ بل عن كيفية التفكير في المستقبل. والإجابة التي يجب أن تصل إليه هي أن الاستدامة ليست مجرّد حماية البيئة؛ بل حماية قدرة المجتمع على الاستمرار: في قيادته، في تعليمه، في صحته، في اقتصاده، وفي قيمه. تغيّر المناخ لم يخلق الاستدامة، لكنه جعلها ضرورة، وجعلها لغة مشتركة بين القطاعات، وجعلها إطاراً لفهم المستقبل، وجعلها مسؤولية تتجاوز الحكومات لتصل إلى الأفراد، والمؤسسات، والجامعات.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة