تعدّ الصحافة وسيلة مهمة لتشكيل الوعي المجتمعي تجاه القضايا الجامعة، وقد أدت الصحافة منذ نشأتها في أوروبا، قبل عدة قرون، دوراً بارزاً في نقل الأخبار وتحليلها وكشف مرامي السياسة ومفاعيلها، كما أسهمت بشكل مباشر في تشكيل الرأي العام وتعبئته لنشر العدالة الاجتماعية والمساواة، وسرعان ما برزت مفاعيل الصحافة التي انتشرت بكثرة في أوروبا وعموم الغرب، ومن ثم انتقلت إلى باقي أنحاء العالم، في مطلع القرن العشرين، وكان لها دور كبير في تغيير واقع الشعوب، حيث انتهت الأنساق الاجتماعية القديمة القائمة على الإقطاعية والاستعباد، وظهر عصر الحريات العامة، وهو العصر الذي نعيش فيه اليوم.
ولا تزال الصحافة تحتل حيّزاً كبيراً في التأثير على الرأي العام في مختلف الدول، وإن كانت وسائلها قد تعددت، بين ورق الكتابة والمنصات الإلكترونية المختلفة. وقد سلكت «صحيفة الخليج» منذ تأسيسها في 19 أكتوبر/تشرين الأول عام 1970، من قبل قطبي الإعلام الإماراتي الراحلين تريم عمران تريم وأخيه عبدالله عمران تريم، خطّاً يقوم على أن العروبة هوية ثابتة لا حياد عنها، والإمارات وطن نهائي لا بديل عنه. وقد جسّدت الصحيفة هذه المبادئ من خلال تغطيتها للأحداث العربية والعالمية، وكانت رديفاً للسياسة العامة للدولة، تلتزم بخطوطها العريضة، وتكتب عن الإنجازات الوطنية التي تحققت. وقد وثَّقت «الخليج» مسيرة دولة الإمارات التنموية بكل تفاصيلها، يوماً بيوم وشهراً بشهر وسنة بسنة، فهي الكتاب الذي يحفظ تاريخ وطننا المشرق. كما لامست الصحيفة جروح الأمة من الخليج إلى المحيط، ومثلت منبراً للأقلام العربية، ولعرض شجون وقضايا الأمة.
وبمناسبة حلول عيدها السادس والخمسين، فقد كتب الأستاذ خالد عبدالله عمران كلمة في افتتاحية الصحيفة بعنوان «الخليج..عهد لا يتغير»، تحدث فيها عن تلك المسيرة الطويلة لهذه الصحيفة التي تبنت قضايا الوطن والأمة ودافعت عنها، فهي كانت، كما يقول، ولا تزال، «شريكاً حقيقياً في كل مفاصل حياة أبناء الإمارات»، و«تبنت طوال مسيرتها المهنية العناوين الكبرى، فلم تلتفت إلى زبد القضايا، والموضوعات الجانبية، وكانت ولا تزال حريصة على وحدة الوطن والأمة، واقفة دوماً إلى جانب الحق والقضايا العادلة».
لقد درجتُ على قراءة صحيفة الخليج بشكل يومي، وعندما كنت مدير إدارة الإعلام في وزارة الإعلام والثقافة، طلب مني المرحوم الأستاذ تريم عمران، أن أكتب زاوية يومية في صحيفة الخليج بعنوان «من الواقع»، وقد استمريت في كتابة هذه الزاوية سنوات طويلة، أكتب فيها، بأسلوب سلس ومبسّط، ما يخدم الوطن والمواطن، وما يحقق الغايات الوطنية العليا. ومن ثم التقينا في المغرب وكنا برفقة وزير الإعلام الراحل خلفان الرومي، رحمه الله، الذي غادر عالمنا إلى دار البقاء، بعد مسيرة حافلة بالعطاءات والإنجازات، والتي واكب من خلالها مسيرة البناء في دولة الإمارات العربية المتحدة، وبفضل جهوده وجهود أبناء جيله، فقد حققت الدولة مكانتها المرموقة عالمياً في مختلف المجالات.
وقد طلب مني الأستاذ الدكتور الراحل عبدالله عمران تريم، أن أكتب زاوية في صفحة الرأي في الصحيفة، أتناول فيها قضايا عامة محلية ودولية. وقال: «إن صحيفة الخليج تُقرأ في كافة أرجاء العالم».
لقد كان الدكتور الراحل عبدالله عمران، مثقفاً كبيراً وإنساناً استثنائياً بعاطفته، قوياً بإيمانه، متميزاً بعدله وإخلاصه لوطنه. وقد تعلمت منه، الكثير، لاسيما بخصوص تعظيم قيم الإنسانية والإخلاص في أداء الواجب، لاسيما تجاه الوطن. وقد غادر الكبيران: تريم وعبدالله عمران، عالمنا، لكنهما حاضران في وعينا وتفكيرنا، وقد حافظتُ على وصاياهما واستمريتُ في أداء واجبي تجاه الصحيفة التي تواصل الازدهار مع الأستاذ خالد عبدالله تريم، وقد أصبحت أحد أعمدة الصحافة في العالم العربي والعالم، وتجاوز عدد قرائها مليار إنسان في مختلف القارات. وهي تطل بوجه جديد مع كل إشراقة يوم جديد، جامعة أخبار البلد والعالم في السياسة والاقتصاد والفنون المختلفة.
وفي خضمّ الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط، فقد واكبت صحيفة الخليج تلك الأحداث بكل شفافية وموضوعية، سواء في الميدان العسكري أو الدبلوماسية الإقليمية والدولية، وذلك التزاماً منها بالبحث عن الحقيقة وإيصالها إلى القرّاء، فكانت مصدراً موثوقاً للأخبار.
وفي ظل هذه التطورات، تواصل دولة الإمارات العربية المتحدة، مسيرة تقدمها ونجاحها، وقد تحولت في ظل قيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، إلى قوة إقليمية كبرى، وهي مستمرة في تكريس التميّز في كافة المجالات، وترسيخ دورها الرائد عالمياً كشريك فاعل في صنع المستقبل، وستبقى شامخة بشموخ قيادتها، ويقظة أبنائها، وهي ستدافع عن مستقبلها ووجودها في هذا العالم، كما ستبقى صحيفة الخليج تواكب هذه المسيرة الظافرة للقيادة الحكيمة، وترسم صوراً زاهية لمستقبل جميل قادم رغم قتامة المشهد اليوم، فمن شدة الظلام ينبثق النور.
