في ملحمة إنسانية فريدة تذوب فيها حدود القرابة البيولوجية لتفسح المجال أمام أسمى معاني الوفاء، ضربت مسنة صينية نموذجاً استثنائياً في التضحية بعد أن أمضت سبعة عشر عاماً في رعاية زوجة ابنها التي دخلت في غيبوبة عميقة إثر حادث مروري، لتتكلل هذه الرحلة المضنية بمعجزة استيقاظها وعودتها التدريجية إلى الحياة.
بدأت القصة عام 2009، حين وقع الحادث في إحدى قرى مقاطعة شاندونغ شرقي الصين، ليقلب حياة الشابة «شو» رأساً على عقب بعد مرور شهر واحد فقط على زواجها، زافاً إياها من فضاء الأحلام السعيدة إلى غيبوبة طويلة الأمد.
وفي مواجهة هذا المصاب الجلل، لم تتردد أم الزوجة «شوان فنغينغ» في تحمل المسؤولية الكاملة بروح أمومية خالصة، معلنةً ببساطة مبدئية هزت القلوب: «تزوجت ابني، لذا فهي ابنتي، فكيف يمكنني أن أتخلى عنها؟».
على مدار سبعة عشر عاماً متواصلة، تحولت حياة شوان إلى سلسلة متواصلة من مهام الرعاية الدقيقة والشاقة؛ إذ كانت تطعم زوجة ابنها الطعام السائل ملعقة تلو الأخرى في طقس صبور يستغرق ساعة كاملة لكل وجبة، ولا تتردد في تقليب جسدها أكثر من عشر مرات يومياً حمايةً لها من تقرحات الفراش، فضلاً عن العناية بنظافتها المستمرة وجلسات التدليك المنتظمة لتنشيط عضلاتها المنهكة.
ولم تقتصر الرعاية على الجانب الجسدي فحسب، بل غمرتها بالدفء النفسي عبر الحديث الدائم معها عن أخبار العائلة، وتشغيل أغانيها المفضلة، وترديد اسمها بحنان لا ينضب على أمل استعادة وعيها.
ولم تقتصر الرعاية على الجانب الجسدي فحسب، بل غمرتها بالدفء النفسي عبر الحديث الدائم معها عن أخبار العائلة، وتشغيل أغانيها المفضلة، وترديد اسمها بحنان لا ينضب على أمل استعادة وعيها.
وبفضل هذا التفاني منقطع النظير، تحققت المعجزة واستعادت شو وعيها وخرجت من غيبوبتها. ورغم الأضرار البالغة التي خلّفها الحادث في الدماغ والتي تركتها بقدرات إدراكية تقارب طفلة في الرابعة من عمرها، إلا أنها استطاعت بفضل جهود حماتها الدؤوبة إعادة تعلم المشي والانخراط في تمارين التأهيل.
واليوم، باتت شو قادرة على نطق كلمات معدودة، بل وحتى طهي وجبات بسيطة بمفردها.
وفي تعليق يختزل عمق مشاعرها وتجردها، تقول شوان بنبرة تمزج بين الارتياح والتسليم: «ليس لدي أي أمنية أخرى سوى أن تستمر في التحسن، أشعر ببعض الارتياح لأنها تستطيع الطبخ، وبهذه الطريقة، بعد وفاتي، سيكون لديها ما تأكله».
وعلى الرغم من إقرارها بأنها تغبط أقرانها ممن ينعمون بحياة هادئة ومريحة بعيداً عن أعباء الرعاية الثقيلة، إلا أنها تؤكد بقناعة راسخة أن أمانة رعاية زوجة ابنها تظل فوق كل راحة شخصية.
وحين تفاعلت منصات التواصل الاجتماعي مع هذه القصة الملهمة بفيض من الإشادة والتقدير، تذكّر المتابعون مجدداً أن أسمى صور الحب الإنساني تتجلى غالباً في أبسط التفاصيل وأصدق المواقف التي ترفض الاستسلام لليأس.