الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

السارق لا يقرأ

25 أكتوبر 2026 00:23 صباحًا | آخر تحديث: 25 أكتوبر 2026 00:24 صباحًا
دقائق القراءة - 2
شارك
share
هناك حكمة شعبية ولدت من رحم تجارة الكتب في الشوارع، في تلك الأزقة التي تعج بالباحثين عن المعرفة بسعر معقول، وهم غالباً من الطلاب ومحدودي الدخل، تقول الحكمة «القارئ لا يسرق، والسارق لا يقرأ». ولعل مناسبتها أن كثيراً من الباعة كانوا يفترشون الطرقات عارضين بضاعتهم في زحام الأقدام، دون حارس يراقب ولا قفل يحمي، وكأنهم يراهنون على أن من يمد يده إلى كتاب إنما يمدها إلى فكرة، وأن من يعشق الفكرة لا يمكن أن يخون صاحبها.
عادت هذه الحكمة إلى الذاكرة مع الصورة المنتشرة لصاحب مكتبة فرنسي يجلس أمام مكتبته وسط الاحتجاجات في باريس، والغضب يملأ الشوارع من حوله، وبينما تحطمت ونُهِبت العديد من المحال التجارية، فإن أحداً لم يمس المكتبة ولا الكتب، لا نعلم في الحقيقة لماذا نجت هذه المكتبة من عاصفة السلب والنهب، هل هو وفاء من المحتجين للفكرة وللكتاب، خصوصاً أن شرارة هذه الاحتجاجات خرجت من مدرسة في جنوب المدينة، أو هو الشق الثاني من الحكمة «السارق لا يقرأ»؟
باريس قدر لها أن تكون ساحة للتمرد الفكري في عقود مضت، احتضنت شوارعها تجارب فكرية وفلسفية وأدبية أمثال فولتير وفيكتور هوجو وسارتر، كما كانت قبلة لأدباء عالميين مثل إرنست هيمينغواي وجيمس جويس وماركيز، حتى أدباء وشعراء العرب عشقوا باريس فقال فيها أحمد شوقي:
رَزَقَ اللهُ أَهلَ باريسَ خَيراً ** وَأَرى العَقلَ خَيرَ ما رُزِقوهُ
عِندَهُم لِلثِمارِ وَالزَهرِ مِمّا ** تُنجِبُ الأَرضُ مَعرِضٌ نَسَقوهُ
جَنَّةٌ تَخلِبُ العُقولَ وَرَوضٌ** تَجمَعُ العَينُ مِنهُ ما فَرَقوهُ
بالعودة إلى مضمون الحكمة، فإننا نجد مفارقة مدهشة، فالمحتجون هم في الأساس طبقة المثقفين والمعلمين والطلاب، هم فئة قارئة نوعاً ما، فئة تقرأ الواقع الذي آلت إليه مدينة الفكر والأضواء، ولعل رمزية الإبقاء على المكتبة والكتب وعدم المساس بها يحمل دلالة أعمق مما تحمله عشرات البيانات والتحليلات.
فالاحتجاجات تختبر المجتمع وثقافته في لحظة انفعاله، وفي مثل هذه اللحظات تظهر معادن الناس وأولوياتهم، وحين نرى مكتبة تنجو من العاصفة، فهذا يعني في وجدان الناس أن المكتبة رمز للحضارة يجب ألا تطالها الفوضى، وأن الكتاب ما زال في الوعي الجمعي رمزاً مقدساً، باعتباره الحاضنة التي خرجت منها الأفكار التي من أجلها خرج المحتجون.
«القارئ لا يسرق» تختصر فلسفة كاملة، فالمعرفة تهذب أخلاق من يعتنقها، والثقافة تقاس بسلوك الناس في أحلك لحظاتهم، صورة واحدة تعبر الحدود وتصل إلينا من شارع في باريس، تذكرنا بأن لها قلباً ظل يؤمن حتى في عتمة الغضب، أن للكلمة حرمة لا تنتهك.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة