هل أصبح الإنسان يفكر في عواقب المطالبة بحقّه قبل التفكير في الحق نفسه؟ سؤال يستحق التأمل في بعض المواقف التي قد نواجهها في حياتنا اليومية، عندما يتحول الاعتراض على إجراء أو المطالبة بحق إلى خلاف شخصي، رغم أن الغاية الأساسية هي الوصول إلى الإنصاف وتصحيح الأخطاء.
في مختلف جوانب الحياة، قد يواجه الإنسان قراراً يراه غير منصف، أو إجراءً يحتاج إلى مراجعة، فيلجأ إلى القنوات المعتمدة لتقديم شكوى أو طلب توضيح، إيماناً منه بأن الأنظمة والقوانين وُجدت لحفظ الحقوق وتنظيم العلاقات وتحقيق العدالة. لكن الإشكالية تظهر عندما تتحول بعض الشكاوى من موضوع يستحق الدراسة والمعالجة إلى مسألة شخصية، فينصرف الاهتمام أحياناً عن مضمون الشكوى إلى صاحبها، وكأن المطالبة بالحق أصبحت موقفاً ضد شخص أو جهة، وليس ممارسة مشروعة تستوجب التعامل معها بموضوعية.
واللافت أن البعض قد يتردد في تقديم شكواه، ليس لعدم قناعته بحقه، وإنما خشية أن يُساء فهم موقفه، أو تتأثر علاقاته وتعاملاته مستقبلاً، نتيجة لجوئه إلى الإجراءات المعتمدة.
وهنا يبرز تساؤل مهم: لماذا يخشى الإنسان المطالبة بحقه إذا كان يسلك الطرق الصحيحة؟
إن تقديم الشكوى لا يعني بالضرورة أن صاحبها محق، كما أن الاعتراض على قرار لا يعني أنه خاطئ، لكن العدالة تقتضي الاستماع إلى جميع الأطراف، ومراجعة الوقائع، وتقديم ردود واضحة تستند إلى الأنظمة، بعيداً عن الاعتبارات الشخصية.
كما أن الصلاحيات والإجراءات وُجدت لتنظيم الحقوق وحمايتها، وليس لتكون وسيلة لتصفية الخلافات أو الرد على الاعتراضات. فالمسؤولية الحقيقية لا تقتصر على استقبال الشكاوى، بل تمتد إلى ضمان التعامل معها بمهنية وإنصاف، وعدم السماح بأن تتحول الاختلافات إلى مواقف شخصية تؤثر في حقوق الآخرين.
ولا يمكن إغفال النماذج الإيجابية الكثيرة التي تنظر إلى الشكاوى باعتبارها فرصة للتطوير وتصحيح الأخطاء، وترى في الحوار والملاحظات وسيلة لتعزيز الثقة والاحترام، وترسيخ العدالة في مختلف التعاملات.
إننا بحاجة إلى ثقافة تؤمن بأن الشكوى ليست خصومة، وأن الاختلاف لا يعني الإساءة، وأن المطالبة بالحقوق لا ينبغي أن تتحول إلى سبب للقلق أو الخوف.
وفي النهاية، فإن العدالة للجميع لا تتحقق بمجرد وجود القوانين والأنظمة، بل عندما يشعر كل إنسان بأن حقه في المطالبة والاعتراض مكفول، وأن صوته مسموع، دون أن يخشى أن تصبح مطالبته نفسها سبباً في الإضرار به.
