إذا كان من فكرةٍ انتشرت في أرجاء الفكر الحديث وانتزعت لنفسها السّيادةَ على غيرها من الأفكار الكبرى، فهي فكرةُ التّقدّم: الفكرةُ التي بدت وكأنّها تتوِّج مساراً من التّاريخ ومن المعارف وتأتي قرينةً شاهدةً على القانون النّاظم لذلك المسار واعدةً بالمزيد من فتوحاتٍ كانت تتراءى لمعتنِقي الفكرةِ آتيةً لا ريب فيها.
التّقدُّم، في الوعي المسكونِ به (وهو، هنا، معظمُ الفكر الحديث)، قَدَر المجتمعات كافّة وآليةُ التّاريخ الدّافعةُ، لأنّه حتميّةٌ من الحتميّات التّاريخيّة التي أيلولتُها إلى التّحقُّق وهي، في هذا، مثلُ الأقدارِ ما مِن رادٍّ لها يردُّها عمّا هي إليه ذاهبةٌ من غايات. هكذا نُظِر إلى الأشياء والظّواهر، في الفكر الحديث، بما هي محكومةٌ بآلية التّقدّم بما هو حتميّة لا مندوحة عن تلقّي أحكامِها ومفاعيلها، بل هكذا بَدَتْ حتميّةُ التّقدّم أشبهَ بوصفةٍ سحريّة أفرجَ عنها الفكرُ لمداواةِ عِلَل البشريّة وأسقامها وحَمْلِ الوعدِ اليوتُوبيّ العظيم بقيام فردوسٍ دنيائيّ تنتهي به الأوجاعُ الحياتيّةُ والآلام...
تولّدت عقيدةُ التّقدّم من نظرةٍ فلسفيّة إلى التّاريخ تشدِّد على تطوُّره في منحًى صاعدٍ نحو تحقيق ما يُضمِره من غائيّة. جراثيمُ النّظرة هذه موجودةٌ في فلسفة هِرْدر، لكنّ عمارتَها النّظريّة اكتملت بناءً في فلسفة في هيجل لِتتتالى حلقاتُها في فلسفة ماركس المادّيّة التّاريخيّة. ما من شكٍّ في أنّ معتقدَ التّطوُّر الدّائب الصّاعد في حلقات التّاريخ تَبلْور في سياق إعادة قراءة حركة التّاريخ الماضي بعقلٍ فلسفيّ يشغله السّؤال عمّا وراء ظواهر التّاريخ الجارية من عِلَلٍ فاعلة وغاياتٍ مضمَرة، وكان ذلك أمراً مفهوماً من منظور فلسفة التّاريخ، ولكنّ الذي لا مِرْية فيه، أيضاً، أنّ نتائج العلم والعقلانيّة في ميادين الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة (النّظام الاجتماعيّ والسّياسيّ الحديث، الرّأسماليّة والثّورة الصّناعيّة، المدنيّة الأوروبيّة الحديثة...) وما أحدثتْهُ من تغييرٍ حاسم في شروط الوجود الإنسانيّ عزّزت ذلك المعتقدَ في الوعي، وقد تكون كرّستْهُ في ميادين الفكر جميعِها لا في الفكر الفلسفيّ، حصراً، على مثال ما يُعْلمنا بذلك حضورُ مفهوم التّقدّم، حضوراً كثيفاً، في العلوم الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسّياسيّة منذ النّصف الأوّل من القرن التّاسع عشر.
من منظور معتقد التّقدّم أُعيدَ بناءُ سرديّة التّاريخ الماضي كلِّه بما حَفَل به من كبرى الظّواهر.
وقُرِئ تاريخ الأديان على النّحو نفسه: من الأديان والاعتقادات الوثنيّة والأنثروبومورفيّة إلى الأديان التّوحيديّة، مع تدرُّج هذه في الاكتمال. هكذا قرأ هيغل، مثلاً، تاريخ الأديان في تدرّجه الصّاعد وصولاً نحو لحظة «اكتماله» في المسيحيّة بوصفها، عنده، دين الحريّة. ولم يكن تاريخُ الفكر نفسُه ليشذّ عن هذه القاعدة عند من أخذوا بفكرة التّقدّم الذّاهبةِ بالظّواهر إلى آفاق الاكتمال، وهكذا سمحت هذه الفرضيّة بميلاد نزعةٍ مركزيّة أوروبيّة في الفكر الحديث بُنِيَت أركانُها على مزعمةٍ تقول بأنّ لحظة الاكتمال في مسيرة الفكر الإنسانيّ تجسّدت في الفكر الأوروبيّ الذي بات يمثّل المرجعَ والمعيار...
سرعان ما ستتحوّل فكرة التّقدُّم من معتقَد فلسفيٍّ ونظريّ يسري في الفكر والفلسفة والعلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة، ويتداولُه المفكّرون والأكاديميّون والأدباء في نصوصهم وخطاباتهم وبيئاتهم الدّراسيّة، إلى أيديولوجيا سياسيّة تشتغل بها بطّاريّاتُ الأحزاب والحركات السّياسيّة منذ نهايات القرن التّاسع عشر لتؤدّي، بالتّاليّ، أدواراً عمليّة في المجتمع والسّياسة والحياة العامّة.
غير أنّ هذه السّرديّة الكبرى ضُرِبت في مقتلٍ في الهزيع الأخير من القرن العشرين. بعد مسلسلٍ متّصل من المكتسبات السّياسيّة التي حقّقتها قوَى التّقدّم: دولاً وحركات سياسيّةً (كان المعسكر «الاشتراكيّ» وحركات اليسار منها)، ستشهد فكرةُ التّقدّم على تراجُعٍ كبيرٍ فيها سرعان ما صار انقلاباً كاملاً على العقبين، في مقابل صعود الأفكار والقوى المعدودة معادية للتّقدّم. والحقّ أنّ هزيمة معتقد التّقدّم في السّياسة ليس حالاً طارئة وحديثة العهد، فلقد كان لها، دائماً، نظائرُ في التّاريخ تكرّرت لمرّاتٍ عديدة. وهذا يعني، بكلّ بساطة، أنّ التّقدُّم ليس حتميّة تاريخيّة، بلِ التّاريخُ حمّال احتمالاتٍ لا حصر لها من الارتكاس والانحطاط أو من التّقدّم...
