أطلقت السيارات أبواقها وعمّت الفرحة الحشود وتبادل المحتفلون العناق في شوارع بلغراد، بعدما أعلن الرئيس ألكسندر فوتشيتش الأحد هزيمته في الانتخابات التشريعية المبكرة، بعد 14 عاما من الهيمنة على الحياة السياسية في صربيا واضطر إلى الدعوة للاقتراع تحت ضغط حركة طلابية واسعة.
وقال فوتشيتش أمام أنصاره في مقرّ حزبه في بلغراد «استنادا إلى عيّنة إحصائية تمثّل مختلف فئات الناخبين، من الواضح أننا خسرنا هذه الانتخابات».
وقال إيليا سردانوفيتش، ممثل قائمة الطلاب، أمام مناصرين يلوّحون ببالونات ملوّنة «لن يحكم طاغية هذا البلد بعد اليوم».
وغادرت مجموعات من الشبان الذين يرتدون ملابس سوداء وسط المدينة وسط صيحات استهجان من ناخبي المعارضة، فيما طوّقت شرطة مكافحة الشغب مقرّي اللجنة الانتخابية والرئاسة، وأحاطت بأنصار للحكومة تجمّعوا في حديقة.
وقالت الطالبة سوزانا ميلا مارتيتش لوكالة فرانس برس «أشعر بسعادة لا توصف»، مضيفة والدموع تنهمر من عينيها في هذا اليوم التاريخي «أشعر بأنني أعيش أخيرا في بلد حرّ».
وقال رادومير سايتشيتش، معتزّا بكونه في صف الفائزين، «الليلة سنحتفل كما نعرف أن نحتفل في صربيا. سنغنّي ونرقص ونتعانق وستنهمر الدموع!».
وشاهدت صحافية في وكالة فرانس برس مناصرين يؤدّون رقصة شعبية، فيما أرادت ميريانا نيكوليتش، المرشحة على قائمة الطلاب ورئيسة جامعة الفنون المسرحية، توجيه تحية إلى «كلّ هؤلاء الشباب الذين ما كان أيّ من هذا ليتحقق لولاهم».
قائمة الطلاب
وهنأت رئيسة الاتحاد الأوروبي أورسولا فون دير لايين ورئيس الوزراء المجري بيتر ماديار قائمة الطلاب على فوزهم.
وكتبت على إكس «نحن على استعداد لدعم الإصلاحات المتعلقة بسيادة القانون، وحرية الإعلام، ومكافحة الفساد، وتعزيز المؤسسات الديموقراطية، والعمل معا من أجل المضي قدما بمستقبل صربيا داخل الاتحاد الأوروبي».
من جهته، قال ماديار إنه تحدث مع قادة قائمة الطلاب وأكد لهم دعم بلاده وأضاف على إكس «سعدت جدا عندما علمت بمدى القوة التي منحهم إياها انتصارنا في أبريل (نيسان) خلال هذا النضال الصعب».
وتأتي هزيمة فوتشيتش بعد أشهر من خسارة حليفه المقرب فيكتور أوربان المنتمي إلى اليمين، في الانتخابات أيضا.
إقبال كثيف
وسجّلت الانتخابات التشريعية في صربيا الأحد إقبالا كثيفا، وقال مدير المكتب الوطني للإحصاء برانكو يوسيبوفيتش خلال مؤتمر صحافي إن «64,89% من إجمالي» الناخبين أدلوا بأصواتهم بحلول السادسة مساء (17,00 ت غ)، أي قبل ساعتين من إغلاق مراكز الاقتراع.
وقال راسا نيديليكوف، المسؤول عن مراقبة الانتخابات في منظمة «سي آر تي إيه»، للصحافيين «رصدنا عددا كبيرا من المخالفات والحوادث».
ولم تؤكد قوات الأمن وقوع أعمال عنف كبيرة مرتبطة بالانتخابات.
وقال لاعب كرة السلة السابق والمرشح المعارض ديان بوديروغا للصحافيين قبل الإدلاء بصوته في العاصمة أيضا، إنّ نسبة الإقبال هذه «تؤكد» أننا أمام «معركة» متجذرة تهدف إلى «إعادة هذا البلد المختطف إلى شعبه».
وتأتي الانتخابات المبكرة بعد نحو عامين من احتجاجات قادها الطلاب وأشعلها انهيار سقف عام 2024 في محطة قطارات «نوفي ساد»، في حادث أودى بـ16 شخصا وألقى كثيرون اللوم فيه على الفساد.
وأثارت الكارثة احتجاجات اعتُبرت من الأكبر في صربيا منذ سقوط نظام سلوبودان ميلوسيفيتش عام 2000.
وتمثّل «قائمة الطلاب» الانتخابية المكوّنة من مرشّحين مدعومين من الحركة التي بقيت إلى حد كبير من دون قيادة، التحدي الأكبر أمام «الحزب التقدمي الصربي» الذي هيمن على المشهد السياسي في صربيا على مدى سنوات.
زخم لصالح الطلبة
وتنافست 18 قائمة انتخابية على مقاعد في البرلمان الصربي الذي يضم 250 عضوا، واختارت أحزاب كبرى في المعارضة عدم الترشّح، داعية أنصارها لدعم الطلبة.
وتعود آخر مشاركة انتخابية كثيفة بلغت نحو 70 في المئة، إلى الانتخابات التي أفضت إلى إطاحة سلوبودان ميلوشيفيتش عام 2000، ولا تزال محطة مرجعية في التاريخ السياسي الصربي.
وعلى مدى نحو عامين، نظّم الطلاب مسيرات في أنحاء الدولة الواقعة في البلقان للوصول إلى الناخبين مباشرة ومواجهة الآلة الإعلامية التابعة للحزب التقدمي.
وشاركت حشود كبيرة في مسيراتهم، لا سيما آخر تجمّع قبل الانتخابات أقيم في بلغراد الخميس وشارك فيه حوالى 150 ألف شخص، وفقا لمرصد مستقل يتابع الاحتجاجات.
وخاض فوتشيتش أيضا حملة على مستوى البلاد وعانق مواطنين في البلدات والقرى، بينما اتّهم الحراك الطلابي مرارا بالتخطيط لانقلاب مموّل من الخارج.
حديثو العهد في السياسة
ينتمي معظم المرشحين البالغ عددهم 250 مرشحا على قائمة الطلاب، إلى فئات الخبراء في مجالات تشمل الأكاديميا والفنون، مع خبرة سياسية محدودة.
وتتبنى الحركة برنامجا سياسيا واسعا يتمركز على التعهد بمكافحة الفساد.
وانتقلت من المطالبة بتحقيق شفاف في كارثة «نوفي ساد» إلى الدعوة لانتخابات مبكرة.
في المقابل، حرص فوتشيتش (56 عاما)، الوجه الأبرز لحزبه، على رسم صورة لنفسه كقائد ورجل دولة لا يمكن الاستغناء عنه، فيما يحاول المناورة ضمن موازنة دبلوماسية دقيقة بين الاتحاد الأوروبي وحليفته روسيا.
وتحت وقع الضغوط المتزايدة، دعا إلى الانتخابات المبكرة الشهر الماضي، مشيرا إلى وجود «اضطراب كبير في المشهد السياسي الداخلي».
وتخلى الزعيم اليميني الشعبوي عن ولايته الرئاسية الثانية قبل انقضاء مدّتها من أجل الترشّح لمنصب رئيس الوزراء.